فهرس الكتاب
3-... أن يكون مدركًا للمقاصد الشرعية في المعاملات المالية؛ فالشريعة لم تأت لتضيق على الناس في معيشتهم، أو لتمنعهم مما فيه مصلحتهم، بل جعلت الأصل في تعاملات الناس الإباحة وحصرت المحرمات في أبواب ضيقة؛ لما فيها من الظلم وأكل المال بالباطل. فبناء الشريعة في المعاملات على التوسعة ورفع الحرج عن الناس ومراعاة حاجاتهم، فإذا غاب عن المفتي هذه المعاني، وكان ضيق النظر، آل به الأمر إلى التضييق على الناس، وهو خلاف مقصود الشارع. وما أجمل ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف حال بعض المفتين بقوله:"ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين: إما ذنوب جوزوا عليها بتضييق في أمورهم فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل.. وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل. وهذا من خطأ الاجتهاد; وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له وأدى ما وجب عليه; فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدًا. فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج وإنما بعث نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالحنيفية السمحة. فالسبب الأول: هو الظلم. والسبب الثاني: هو عدم العلم. والظلم والجهل هما وصف للإنسان المذكور في قوله: {وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا } [1] .وأصل هذا: أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات..كالميسر والربا وما يدخل فيهما من بيوع الغرر وغيره; لما في ذلك من المفاسد التي نبه الله عليها ورسوله بقوله سبحانه: { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [2] . فأخبر سبحانه: أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء..."
(1) ... سورة الأحزاب، الآية (72)
(2) ... سورة المائدة، الآية (91) .