الصفحة 32 من 53

(3) ... ثم قال: «ولا ينبغي للذي باعه أن يشتريه أيضًا بأقل من ذلك، لنفسه ولا لغيره؛ لأنه هو البائع» . وقوله «الذي باعه» يريد الوكيل الذي باشر البيع نيابة عن المالك. فيكون معنى العبارة: لا يجوز للوكيل الذي باشر البيع أن يشتري المبيع بأقل من الثمن الذي باع به قبل أن ينقد المشتري الثمن. وقوله: «لنفسه ولا لغيره» أي لا يصح الشراء، سواء كان الشراء لمصلحة الوكيل نفسه أو لمصلحة غيره. وواضح مرة أخرى أن المنع لا يشترط فيه أن تكون السلعة قد عادت للمالك الأصلي، بل قد تباع على طرف ثالث، وبذلك تكون المعاملة من صور التورق وليس العينة الثنائية، وهو تأكيد لمفهوم العبارة السابقة. وسيأتي من كلام فقهاء الحنفية ما يؤكد هذه النتيجة.

(4) ... إن هذا الحكم ليس رأيًا خاصًا بالإمام محمد وحده، بل هو رأي أئمة المذهب: أبي حنيفة (150هـ) ، والقاضي أبي يوسف (182هـ) ، بالإضافة لمحمد بن الحسن، رحمة الله عليهم جميعًا. ولهذا كان كتاب الأصل من كتب ظاهر الرواية، أي الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي. ولهذا السبب وجدنا هذا الحكم منصوصًا عليه في كتب الفقهاء ممن بعدهم.

... ففي تبيين الحقائق للزيلعي، بعد أن ذكر المنع من شراء ما باع بأقل مما باع، قال: «وكذا لو وكّل رجلًا ببيع عبدَه بألف درهم، فباعه، ثم أراد الوكيل أن يشتري العبد بأقل مما باع، لنفسه أو لغيره بأمره، قبل نقد الثمن، لم يجز» [1] .

... ويؤكد ابن عابدين في حاشيته هذا المعنى فيقول: «فأفاد أنه لو باع شيئًا أصالة بنفسه أو وكيله، أو وكالة عن غيره، ليس له شراؤه بالأقل، لا لنفسه ولا لغيره» [2] .

(1) ... «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» ، ط بولاق، (4/54) .

(2) ... «رد المحتار» ، ط بولاق، (4/114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت