... ولما شرح ابن عابدين (1252هـ) رحمه الله معنى العينة قال: «فيبيعه التاجر ثوبًا يساوي عشرة مثلًا بخمسة عشر نسيئة، فيبيعه هو في السوق بعشرة» ، وهذه هي صورة التورق. ثم قال: «ومن صورها أن يعود الثوب إليه» . فميز بين الصورتين، لكنه جعلهما من العينة. ثم قال: «وهو مكروه، أي عند محمد، وبه جزم في الهداية» . ثم نقل ابن عابدين كلام الكمال السابق، وعقب عليه بقوله: «وأقره في البحر والشرنبلالية، وهو ظاهر» [1] .
... وهكذا ترى أن فقهاء المذهب قبل الكمال ابن الهمام عدّوا التورق من صور العينة، بل جعله النسفي هو الصحيح من معانيها، ونصوا على الكراهة. ثم جاء ابن الهمام وأخرج التورق من مفهوم العينة، ونَفَى عنه الكراهة، وجعله خلاف الأولى على أسوأ تقدير. وتبعه على ذلك كثير ممن جاء بعده، كصاحب البحر الرائق والشرنبلالية. وكلام ابن عابدين يعكس شيئًا من التردد؛ لأنه في موضع حكى خلاف مشايخ المذهب في تفسير العينة، فذكر من التفاسير التورق، ثم العينة الثلاثية، ولم يرجح. ثم في موضع آخر جعل التورق من صور العينة، ثم لما نقل كلام ابن الهمام أقره بقوله: «وهو ظاهر» .
... وهذا يشير إلى تطور موقف الفقهاء من مفهوم العينة عبر التاريخ، حتى استقر عند المتأخرين أن العينة هي التي ترجع فيها السلعة للبائع، والتورق ما ليس كذلك. وهذا من تفسير النص بالاصطلاح الحادث، وهو خطأ يتكرر في كثير من المسائل الفقهية. [2] كما يشير إلى جنوح الفقه الإسلامي إلى الصورية في العصور المتأخرة، وهو نظير تطور المذهب الحنفي بشأن بيع الوفاء، حيث منعه المتقدمون لأنهم رأوه حيلة على الربا، بينما تسامح فيه المتأخرون للحاجة. [3]
مذهب المالكية
(1) ... رد المحتار (5/325-326) ، وانظر أيضًا: (5/275) .
(2) ... انظر إعلام الموقعين، (2/168-169) .
(3) ... الموسوعة الفقهية، بيع. وانظر إعلام الموقعين (2/75) .