فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ وقد أحسّ أنَّه يفخر فخر الجاهلية ـ: (إلى أين يا أبا ليلى؟) فقال: إلى الجنّة يا رسول الله!... فأُعجب ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ بمقاله، واغتبط بهذه الرُّوح حين هذّبها الإسلام:"إلى الجنّة يا رسول الله".
وينشده أيضًا:
ولا خيرَ في حلمٍ إذا لم تَكُن لَهُ ... بوادر تحمي صفوه أنْ يكدرا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يِكُن لَهُ ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فيزداد إعجاب الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، فيدعو له: (لا يفضّ الله فاك) [1] .
وجاء وفد بني تميم إلى المدينة المنورة، فدخلوا المسجد ونادوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وراء الحجرات: أنْ اخرج إلينا يا محمد ... فآذى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج، فقالوا: جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: (قد أذنت لخطيبكم فليقل) ، فقام عطارد بن الحجاب فألقى خطبة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن شماس الخزرجيّ: (قم فأجب الرّجل في خطبته) ، فقام ثابت وألقى خطبة أبلغ من خطبة عطارد، ثم نهض الزبرقان بن بدر فأنشد قصيدته التي فيها:
نَحْنُ الكرامُ فلا حيّ يعادلنا ... منّا الملوك وفينا يُقسم الرّبع
ونَحْنُ نُطْعِمُ عند القحط مطعمنا ... من الشواءِ إذا لم يؤنس القرع
فلما أكمل قصيدته قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: (قم يا حسّان فأجب الرّجل فيما قال) ، فقال قصيدته التي فيها:
إنَّ الذوائبّ من فهرٍ وإخوتهم ... قد بيّنوا سُنَّةً للنّاس تتبعُ
يرضى بهم كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمرِ الذي شرعوا
قومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدوهم ... أو حاولوا النَّفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إنَّ الخلائق فاعلم شرّها البدعُ
إنْ كان في النّاسِ سباقون بعدهم ... فكُلّ سبقٍ لأدنى سبقهم تبع [2]
(1) النووي: شرح صحيح مسلم، 4/41 وما بعدها.
(2) ابن هشام: السيرة النبوية، طبعة عيسى البابي الحلبي، 4/214.