ونلاحظ أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - قد وقف واستمع لشعر قتيلة ، ولو كان الشِّعْر في حد ذاته مكروهًا لما فعل الرَّسول المعصوم ذلك. كما نلاحظ أنَّ الشِّعْر لم يكن سببًا في القتل؛ بل لو لم يسبق القدر لكان سببًا في حياة النّضر.
ونذكر موقفًا آخر مع أبي عزة الجمحيّ ـ وهو أحد شعراء مكة ـ كانت للرَّسول - صلى الله عليه وسلم - معرفة به قبل الهجرة، وهو كثير الولد، قليل المال. ولما كانت معركة الشِّعْر بين معسكر الإيمان بالمدينة المنورة وبين معسكر الكفر في مكة، كان
أبو عزة ضمن شعراء الشِّرك، فأُسِرَ يوم بدر كافرًا، فقال: يا رسول الله، إني ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن عليَّ ـ صلى الله عليك ـ فقال: (على ألاّ تعين عليّ؟) ـ يريد شعره ـ قال: نعم . فعاهده وأطلقه، فقال:
ألا أبلغًا عني النّبيّ محمدًا ... بأنّك حقٌّ والملك حميدُ
وأنت امرؤ تدعو إلى الرُّشدِ والتُّقى ... عليك من اللهِ الكريمِ شهيدُ
وإنّك مَنْ حاربته لمحاربٌ ... شقي ومَنْ سالمته لسعيدُ
ولكن إذا ذكرته بدرًا وأهلها ... تأوب مني حسرة وتعود [1]
لكن أبا عزة لم يفِ بالعهد الذي ضربه مع الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب إغراء صفوان بن أمية له بالمال، فانخرط ثانية في معسكر الشِّرك، وعاد يوم أُحُد، وأُسِرَ ثانية وأعاد ذات الطَّلب: يا رسول الله ، إنّي ذو عيال وذو حاجة قد عرفتها، فامنن عليَّ ـ صلى الله عليك ـ، فقال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كلمته الحكيمة التي سارت مثلًا: (لا يلدغ المؤمن من جُحْرٍ واحد مرّتين) [2] .
(1) د. حسن بشير: مكانة الشِّعْر في مسيرة الحياة الأدبية في صدر الإسلام، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، الطبعة الأولى، 1995م، ص 28-29.
(2) البخاري: صحيح البخاري، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، حديث رقم 5782، الطبعة الثالثة، دار ابن كثير، بيروت، تحقيق مصطفى ديب البغا، 5/2271.