وفي هذا الموطن نجد أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أطلق سراح أبي عزة الجمحيّ، وهو شاعر معروف. ولو كان الإسلام يشنُّ حربًا على الشِّعْر والشِّعْراء لكانت سانحةً للتخلُّص من واحد منهم، قد أتى يحمل السلاح لحرب الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - . ولكن الأمر عكس ذلك تمامًا، فقد مَنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفكَّ أسره، مكتفيًا بالاشتراط عليه ألاَّ يعود إلى معسكر الشِّرك مشاركًا في حملتهم ضدّ الإسلام.
كما نجد أنَّ الشرط الذي طُلِبَ منه الالتزام به ليس عدم قول الشِّعْر؛ بل عدم الإعانة على الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بشعره. ولو كان الشِّعْر مرفوضًا في الإسلام بصورة أساسيّة لكان الشَّرط المنطقيّ عدم قول الشِّعْر.
ومما نلاحظ أيضًا أنَّ هذا الموقف من الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يجعل للشِّعْر أهمية خاصّة، ويقدم هذه الأهمية على حرب السّلاح، فقد جاء أبو عزة محاربًا في جيش الكفر، فلم يشترط عليه الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ألا يعود محاربًا بالكلمة الشَّاعرة.
تلك لمحات توضِّح موقف الرَّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - من الشِّعْر، وتكشف عن منزلته المرموقة لديه، فهي منزلة مودة وتعاون ووفاق! ولكن هناك كثير من القضايا المثارة حول هذا الموضوع وسوف نشير ـ إن شاء الله تعالى ـ إلى بعضها في المبحث الثالث.
المبحث الثالث
شبهات حول الرُّؤية النَّبويّة الشَّريفة للشِّعْر
جاءت نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة تبدو بخلاف ما أثبتناه، وهي عبارة عن شبهات ينبغي الرَّدّ عليها، وسوف أتناول أبرزها فيما يلي:
أولًا: إنَّ القرآن الكريم ذم الشِّعْر في قوله تعالى: [الشِّعْراء: 224-226] .