وقال ابن رشيق:"ومن هنا عظم الشِّعْر، وتهيب أهله، خوفًا من بيت سافر تحدو به الإبل، أو لفظة شاردة يضرب بها المثل، ورجاء في مثل ذلك فقد رفع كثيرًا من النّاس ما قيل فيهم من الشِّعْر بعد الخمول والاطراح، حتَّى افتخروا بما كانوا يعيّرون به، ووضع جماعة من أهل السّوابق والأقدار الشَّريفة حتى عُيِّروا بما كانوا يفتخرون به" [1] .
إنَّ العرب لا تَعُدُّ الشِّعْر درسًا أدبيًّا فحسب؛ بل هو عندهم جماع الحياة كلها، فيه يقرأون تاريخهم، ويلتمسون منهاج تربية أبنائهم. قال سيدنا معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ:"يجب على الرجل تأديب ولده، والشِّعْر أعلى مراتب الأدب" [2] .
وما تكاد القصيدة تُروى حتى تسير بها الرُّواة، وتنشرها المجالس ، قال المسيب بن علس [3] :
فلأهدينَّ مع الرّياحِ قصيدةً ... مني مغلغلةً إلى القعقاعِ
ترد المياه فلا تزال غريبةً ... في القوم بين تمثُّلٍ وسماعِ [4]
فقصيدته تنتشر بين القبائل ويرددها الناس مستمعين ومتمثلين بأبياتها. والأمثلة كثيرة لشعراء حموا أعراض قبائلهم، ولشعراء تشفّعوا لقبائلهم ولأفراد منها فشفعوا، وشعراء رفعوا الوضيع ووضعوا الرّفيع .
والأعشى [5]
(1) ابن رشيق: العمدة، 1/122.
(2) المصدر السابق نفسه، 1/29.
(3) المسيب بن علس: هو زهير بن مالك بن عمرو بن زيد بن ثعلبة، شاعر جاهلي لم يدرك الإسلام. انظر: المفضليات، ص 60.
(4) المفضل الضبي: المفضليات، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، الطبعة السابعة، دار المعارض، ص 62. فهذه الأبيات تؤكد سلامة النقل.
(5) هو الأعشى الكبير أبو بصير، ميمون ابن قيس بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد، يلقَّب بـ"صناجة العرب"، أمه بنت علس أخت المسيب بن علس ولد بقرية منفوحة باليمامة. انظر: المرزباني: معجم الشِّعْراء، تحقيق عبد السَّتار أحمد فراج، دار إحياء الكتب العربية، 1960م،
ص 325.