الصفحة 123 من 157

هذه هي نظرته لقول من يقول بوجوب الإعفاء وقد سبق قوله عن أهل الفتوى.

إذا علمت هذا تبين لك أن قوله في أول كتابه صفحة (7) حيث قال:

"والمقصود أن يدرك من يشتغل بفقه شرائع الإسلام، أن الحق مقطوع به مطلقا في أصول الدين ومقاصده، لا في تفاصيل شرائعه، فتلك للناس فيها الفسحة والسعة"ا.هـ

وقوله:

"ولست أريد منك أن تنتهي إلى ما انتهيت إليه ولكني أردت أن أطلعك على نظر قد تكون عنه غافلا, كما أردت أن تعترف بحقي في الرأي كما تراه لنفسك، إذ نستقى جميعا من معين واحد"ا.هـ

فقوله هنا إنما يدل على توتره في هذه المسألة واضطرابه في التعامل معها، فالمعين الواحد الذي اعترف به هنا صرفه لنفسه في مواطن أخرى وصرف لغيره الكدر والشوب، والفسحة والسعة التي قررها إنما هي له خالصة من دون أصحاب الفتوى.

وهاهنا حقيقة لابد أن يعلمها القاري، فالجديع هداه الله إنما يصطنع في أسلوبه السيئ، ويتجاهل به ما هو مستقر ومشتهر بين أهل العلم وطلبته، وما هو مقرر في كتب أهل العلم، من أن القول بالوجوب وحرمة الحلق هو القول الأشهر والذي عليه الأكثر وهو الأقدم، ولا أريد أن أقول هو الأقوى لأنه محل النزاع بيننا وبين الجديع.

فلم يدلس الجديع بهذا الأسلوب من إظهار التعجب منه ومن القول به، ومن سبه وشتمه له وكأنه قول محدث مخترع لم يقل به إلا المتطفلون على العلم وأهله من حثالة المتأخرين.

إن الجديع حقيقة لم يكن نزيها في تعامله مع المسألة عندما لجأ إلى مثل هذه الأساليب، وإلا فكل مشتغل بالعلم يعلم أن القول بوجوب الإعفاء وأنه من السنن التعبدية هو قول كثير من أهل العلم المتقدمين من أصحاب المذاهب وأتباعهم.

فلم كثرة التعجب وشدته لدرجة أنه لا ينقضي كما زعم؟ ولم التضليل والتسفيه والسب والشتم؟

ما هو إلا التهويل والتعظيم، وما رميت به أصحاب الفتوى آنفا من هذا الوصف فأنت أولى به يا أستاذ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت