الصفحة 128 من 157

وهذه الخصال منقولة عن الإمام أبي طالب المكي من"قوت القلوب"كما ذكر النووي في المجموع (1/ 358) ، والناظر فيها يعلم أن الكراهة المنصوص عليها ليست هي الكراهة التنزيهية فقط كما زعم الجديع، ولو راجع ما يقوله النووي عن بعض هذه الخصال من الحرمة لعلم ذلك فالإمام النووي يقول بحرمة الصبغ بالسواد كما في المجموع شرح المهذب (1 (360 /ويقول بحرمة نتف الشيب كما في المجموع أيضا(1/359) وقد نقل عنه القول بحرمة فيهما الحافظ ابن حجر فتح الباري (6/499) (10/ 351) ، والجديع لا تخفى عليه مثل هذه المراجعات التي تكشف له عن معنى الكراهة في مثل هذه النصوص، ولكنه أعرض عن هذا واستغل إطلاق الكراهة فحمله على التنزيه بينما النووي قد ذكر أمورًا محرمة مما يدل على عدم إرادته لما ذهب إليه الجديع . [1] ثم كرر الجديع هذا الاستغلال فنقل قول ابن الهمام:

"...وأما الأخذ منها وهي دون ذلك [أي القبضة] كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد"ا.هـ

فقال الجديع ص (232) :

"فصدق ابن الهمام في أن ذلك الفعل لم يبحه أحد، وعدم الإباحة لا يعني التحريم، إنما الإباحة واحد من الأحكام التكليفية الخمسة ومنها الكراهة"

فأراد الجديع أن يحمل قوله:"لم يبحه أحد"على معنى الكراهة، باعتبار أن المكروه غير مباح أيضا، مع أن ظاهر الإطلاق"لم يبحه احد"هو الحرمة، فهو المتبادر للذهن من مثل هذا الإطلاق، ثم من حيث الاستعمال، فالذي أعلمه أن مثل هذا الإطلاق يستعمل غالبا في معنى الحرمة، فقد راجعت استعمالات كثير من العلماء فوجدتهم يستعملونه في معنى الحرمة، ولم أجد من استعمله في غير ذلك من معنى الكراهة أو نحوها.

(1) وبعد كتابة ماسبق وقفت على كلام للإمام النووي أفرد فيه الحكم على اللحية بالكراهة ، ولم يفصح عن المراد بالكراهة ، وأياكان المراد فالجديع إنما استدل بالنص المذكور سابقا دون غيره فيلزمه ما ألزمناه به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت