فهرس الكتاب
ألست تدعوا بهذا الكلام إلى عدم اعتبار أي سبب في القص إلا المخالفة فقط .
ألم تقل أيضا:
"... ما دلت عليه الأحاديث الآمرة بالإعفاء والقص للعلة المذكورة، وتكون تلك الصورة غير مأمور بها إذا لم تفد المخالفة"ا.هـ
فكيف أصبح المعنى في القص لغير المخالفة أوكد من المخالفة بعد أن كانت المخالفة هي المعتبرة فقط في القص (قص الشارب ) [1]
هذا هو التلاعب الذي أشرت إليه، فعندما كان في حاجة لأن يسوي بين الأمر بالإعفاء والقص ليصل من خلال هذه التسوية إلى إعطاء إعفاء اللحية نفس حكم قص الشارب أبرز جانب المخالفة فقط، ليستويا في العلة وبالتالي ليقرر استواءهما في الحكم.
ولتحصيل المقصود أعرض الجديع عن التفصيل في حكم الشارب، وأعرض عن الأدلة التي تمسك بها القائلون بالوجوب، أي أعرض عن بيان علاقتها بحكم المسألة، وعن توضيح وجه الدلالة منها على الحكم وجوبا أو استجابا، وإنما نص على الاستحباب فقط، وأمرّها لتفوت على القاري.
وبعد أن حقق الجديع ما يريد، جاء في مبحث آخر وقرر أن الأمر بقص الشارب كان لمعنى غير المخالفة أوكد من المخالفة.
وكل ما سبق من الأستاذ إنما هو محاولة فاشلة لتقرير استحباب إعفاء اللحية، وسيتبين للقاري الكريم أن الطريقة التي سلكها الجديع بكلامه السابق إنما هي عليه وليست له.
فقد صح عن زيد بن الأرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
"من لم يأخذ من شاربه فليس منا"
وجاء توقيت هذا الأخذ في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:
"وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة"
فالأخذ من الشارب واجب بنص الحديث الأول، وبدلاله الحديث الثاني، وقوله:"وليس منا"لا يحتمل إلا وجوب الأخذ ولذلك قال العلامة ابن مفلح في الفروع (1/ 100) :
(1) أرجوا أن يتأمل القارئ في السبب الذي دفع الجديع إلى هذا الاضطراب أو هذه المغايرة في العرض ليتضح له المراد.