إن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث في فترة كانت العرب في حاجة إلى عمارات ودور وقصور، ومحتاجة إلى مصانع وصوامع، ومحتاجة إلى دور رعاية، وبيوت إغاثة؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم وجد الأمة في حاجة ماسة وعاجلة إلى إحياء القلوب والأرواح، وزرع بذور العقيدة في النفوس، فاهتم بالأهم قبل المهم، وحرص على زرع النور في القلوب حتى تشرق وتبصر وتستيقظ، حينها يكون بإمكانها إن تبني وأن تعمر وأن تشيد، وأن تقيم ما شاءت في الأرض.
رابع عشر: المؤمنون جميعًا خدم لبيوت الله، وهذه الخدمة تاج فخار ومنجم أجر:
فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) (1) . والخدمة لغير الله عز وجل فيها ما فيها من المآخذ، أما خدمته جل وعلا في بيوته ولأوليائه ولأحبابه من المؤمنين الصادقين الصالحين فهي شرف عظيم، وهي عنوان العز في الدنيا ومدعاة للأجر والثواب في الآخرة.
فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتنظيف المساجد من الأقذار ومن كل ما يؤذي المسلمين، ورغب في ذلك كثيرًا، وحث عليه السلام على تطييبها بالروائح الطيبة، وجعل هذه المهمة مهمة لكل مسلم حتى لا ينفرد أحد بهذا الشرف الكبير وحده، وحتى تتاح الفرصة للجميع فيشاركون في تنظيف المساجد وتطييبها وتجهيزها للمصلين.
والقذاة هنا هي: ما يقع في العين أو الماء من تراب أو وسخ أو نحو ذلك، فكان على المسلم أن يحرص على نظافة بيت الله، وأن لا يهملها مهما كانت صغيرة، بل عليه أن يلتقطها وأن يزيلها من بيت الله، وقد روي أن الإمام البخاري -رحمه الله- كان في مجلس الحديث فرأى قذاة في المسجد، فقطع الدرس وأخذها ثم وضعها في جيبه. فلما خرج من المسجد رمى بها.
خامس عشر: مساجدنا لها علينا تحية الشوق والإجلال: