الصفحة 117 من 200

حدَّث [1] عن نفسه قائلا: امتُحنت بالفقر في سنة تسع عشرة ومائتين, وانحسمت مادتي، وقحط منزلي قحطا شديدا جمع عليّ الحاجة والضر والمسكنة, فلو انكمشت الصحراء المجدبة فصغرت ثم صغرت حتى ترجع أذرعا في أذرع؛ لكانت هي داري يومئذ في محلة باب البصرة من بغداد. وجاء يوم صحراوي كأنما طلعت شمسه من بين الرمل لا من بين السحب, ولم يكن عندنا شيء يسيغه حلق آدمي؛ إذ لم يكن في الدار إلا ترابها وحجارتها. ولي امرأة ولي منها طفل صغير, وقد طوينا على جوع يخسف بالجوف خسفا, فلتمنيت حينئذ لو كنا جرذانا نقرض الخشب! وكان جوع الصبي يزيد المرأة ألما إلى جوعها، وكنت بهما كالجائع بثلاثة بطون خاوية.

فقلت في نفسي: إذا لم نأكل الخشب والحجارة فلنأكل بثمنها. وجمعت نيتي على بيع الدار والتحول عنها؛ وإن كان خروجي منها كالخروج من جلدي؛ لا يُسمى إلا سلخا وموتا..! وبت ليلتي وأنا كالمثخن حُمل من معركة فما يتقلب إلا على جراح.

ثم خرجت بغلس لصلاة الصبح, ولما قُضيت الصلاة رفع الناس أكفهم يدعون الله سبحانه وتعالى, وجرى لساني بهذا الدعاء: اللهم بك أعوذ أن يكون فقري في ديني.. أسألك النفع الذي يصلحني بطاعتك.. وأسألك بركة الرضا بقضائك..

وأسألك القوة على الطاعة والرضا يا أرحم الراحمين..

(1) قصة أحمد بن مسكين صاغها المبدع مصطفى صادق الرافعي بأسلوبه الماتع في"وحي القلم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت