فهرس الكتاب
قال: أميركم فقير؟!
قالوا: نعم, والله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار.
فبكي عمر حتى بللت دموعه لحيته, ثم عمد إلى ألف دينار فجعلها في صرة، وقال: اقرأوا عليه مني السلام, وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك.
جاء الوفد لسعيد بالصرة، فنظر إليها فإذا هي دنانير، فجعل يبعدها عنه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. فهبت زوجته مذعورة وقالت: ما شأنك يا سعيد؟
قال: دخلت عليّ الدنيا لتفسد آخرتي.
قالت: تخلص منها -وهي لا تدري من أمر الدنانير شيئا- قال: أو تعينيني على ذلك؟ قالت: نعم. فأخذ الدنانير، فجعلها في صرر، ثم وزعها على فقراء المسلمين.
ولم يمضِ على ذلك طويل وقت حتى أتى عمر إلى الشام يتفقد أحوالها, فلما نزل بحِمص أدرك ما عليه سعيد من رقة حال؛ فبعث إليه بألف دينار يستعين بها على حاجته. فلما رأتها زوجته قالت له: اشترِ لنا مؤنة، واستأجر لنا خادما.
فقال لها: وهل لك فيما هو خير من ذلك؟
قالت: وما ذاك؟!
قال: ندفعها إلى مَن يأتينا بها ونحن أحوج ما نكون إليها؛ نقرضها الله قرضا حسنا.
قالت: نعم وجزيت خيرا.
فما أن غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر، وقال لواحد من أهله: انطلق بها إلى أرملة فلان, وإلى أيتام فلان, وإلى مساكين آل فلان, وإلى معوزي آل فلان. [صور من حياة الصحابة]
همُ الرجالُ وعيبٌ أنْ يُقالَ لِمَن لم يكن مثلَهم رجلُ!
مع أحمد بن مسكين الفقيه البغدادي: