فهرس الكتاب
قال: وقفت أمس على باب هذا المسجد وقد انصرف الناس من صلاة الجمعة, فمر بي أبو نصر بشر الحافي، [1] فقال: مالي أراك في هذا الوقت؟ قلت: ما في البيت دقيق ولا خبز ولا درهم ولا شيء يباع. فقال: الله المستعان.. احمل شبكتك وتعالَ إلى الخندق. فحملتها وذهبت معه, فلما انتهينا إلى الخندق قال لي: توضأ وصلِّ ركعتين. ففعلت, فقال: سمِّ الله تعالى، وألقِ الشبكة. فسميت وألقيتها, فوقع فيها شيء ثقيل، فجعلت أجره فشق عليَّ, فقلت: ساعدني فإني أخاف أن تنقطع الشبكة. فجاء وجرها معي, فخرجت سمكة عظيمة لم أرَ مثلها سمنا وعظما وفراهة. فقال: خذها وبعها، واشترِ بثمنها ما يصلح لعيالك. فحملتها فاستقبلني رجل اشتراها؛ فابتعت لأهلي ما يحتاجون إليه, فلما أكلت وأكلوا ذكرت الشيخ فقلت: أهدي له شيئا. فأخذت هاتين الرقاقتين وجعلت بينهما هذه الحلوى, وأتيت إليه فطرقت الباب, فقال: من؟ قلت: أبو نصر.. قال: افتح، وضع ما معك في الدهليز وادخل..! فدخلت وحدثته بما صنعت، فقال: الحمد له على ذلك. فقلت: إني هيأت للبيت شيئا وقد أكلوا وأكلتُ.. ومعي رقاقتان فيهما حلوى. قال: يا أبا نصر! لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة..! اذهب كل أنت وعيالك.
قال أحمد بن مسكين: وكنت من الجوع بحيث لو أصبت رغيفا لحسبته مائدة أنزلت من السماء, ولكن كلمة الشيخ عن السمكة أشبعتني بمعانيها شبعا ليس من هذه الدنيا؛ كأنما طعمت ثمرة من ثمار الجنة.. وأخذت الرقاقتين، وقلت: على بركة الله، ومضيت إلى داري.. فلما كنت في الطريق لقيتني امرأة معها صبي, فنظرت إلى المنديل, وقالت: يا سيدي! هذا طفل يتيم جائع، ولا صبر له علي الجوع؛ فأطعمه شيئا يرحمك الله. ونظر إليّ الطفل نظرة لا أنساها..
(1) هو الزاهد"بشر بن الحارث". توفي سنة 227هـ . وكان واحد الدنيا في الورع. وقيل له:"الحافي"لأنه كان في حداثته يمشي إلى طلب العلم حافيا إجلالا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.