فهرس الكتاب
وخُيِّل إليَّ حينئذ أن الجنة نزلت تعرض نفسها على مَن يُشبع هذا الطفل وأمه, والناس عُمي لا يبصرونها, وكأنهم يمرون بها في هذا الموطن مرور الحمير
بقصر الملك؛ لو سئلت فضَّلت عليه الاسطبل الذي هي فيه..!
وذكرت امرأتي وابنها وهما جائعان مذ أمس, غير أني لم أجد لهما في قلبي معنى الزوجة والولد. بل معنى هذه المرأة المحتاجة وطفلها. فأسقطتهما عن قلبي, ودفعت ما في يدي للمرأة، وقلت لها: خذي وأطعمي ابنك، ووالله ما أملك بيضاء ولا صفراء, وإن في داري مَن هو أحوج لهذا الطعام، ولولا هذه الخلة بي لتقدمت فيما يصلحك. فدمعت عيناها, وأشرق وجه الصبي, وقلت في نفسي: أما أنا فأطوي إن لم أصب طعاما.. فقد كان أبو بكر يطوي، وكان ابن عمر يطوي, وكان فلان وفلان ممن حفظنا أسماءهم وروينا أخبارهم.. ولكن من للمرأة وابنها بمثل عقدي ونيتي؟
ومشيت وأنا منكسر منقبض.. وذكرت كلمة الشيخ:"لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة"..! فصرفت خاطري إليها، وشغلت نفسي بتدبرها، وملت ناحية وجلست إلى حائط أفكر في بيع الدار.. وبينما أنا كذلك إذ مر عليّ أبو نصر الصياد وكأنه مستطار فرحا.. فقال: يا أبا محمد! ما يجلسك ههنا وفي دارك الخير والغنى؟ فقلت: سبحان الله..! من أين خرجت السمكة يا أبا نصر..؟!
قال: إني لفي الطريق إلى منزلك ومعي ضرورة من القوت أخذتها لعيالك, ودراهم استدنتها لك؛ إذا رجل يستدل الناس على أبيك أو أحد من أهله؛ ومعه أثقال وأحمال.. فقلت له: أنا أدلك.. ومشيت معه أسأله عن خبره وشأنه عند أبيك، فقال: أنا تاجر من البصرة, وقد كان أبوك أودعه مالا من ثلاثين سنة, فأفلس وانكسر المال, ثم ترك البصرة إلى خراسان؛ فصلح أمره على التجارة هناك وأيسر بعد المحنة, واستظهر بعد الخذلان.. فعاد إلى البصرة, وأراد أن يتحلل, فجاءك بالمال وعليه ما كان يربحه في هذه الثلاثين سنة, وإلى ذلك طرائف وهدايا!