الصفحة 185 من 200

قال ابن هشام: اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة, وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش! إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه, وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا, ويرد قولكم بعضه بعضا.. قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس؛ فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع.. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن, لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه.. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون, لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر, لقد عرفنا الشعر كله: رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه, فما هو بالشعر.. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر, لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم.. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟! قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق, وإن فرعه لجناة, وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرف أنه باطل, وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه, وبين المرء وأخيه, وبين المرء وزوجه, وبين المرء وعشيرته؛ فتفرقوا عنه بذلك.. فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه و ذكروا لهم أمره.

هذه حرب الدعاية التي لجأوا إليها وهم قريش موطن ثقة العرب, والذين تأتيهم العرب سنويا للحج. وهم يشوهون اسمه عاما بعد عام, ويحاولون أن يحاربوه بكل سلاح من أسلحة القول. والعربي نفسه لا تسمح أبدا أن يقف موقف المتهم..

ومع ذلك بقي رسول الله خ صابرا على هذه الحرب الدعائية هذه المدة الطويلة! ثلاثة عشر عاما ما ونى ولا كَل؛ وهو يقوم بعملية التبليغ المستقيمة.

إن استمرار الداعية في مثل هذا الجو المحموم وحده دليل على

صدقه فيما يدعو إليه, وأنه يبلغ مأمورا من الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت