الصفحة 186 من 200

يا أيها الأميُّ يا نورَ الورَى ... بكَ تستعِزُّ على السما الغبراءُ

ضوأتَ ليلَ الكونِ وهو مُحيَّرٌ ... تشكو إليكَ جروحُهُ البكماءُ

مع بنت الصديق رضي الله عنهما:

إذا نسي التاريخ لأسماء بنت أبي بكر مواقفها كلها؛ فإنه لن ينسى لها رجاحة عقلها, وشدة حزمها, وقوة إيمانها؛ وهي تلقى ولدها عبد الله اللقاء الأخير. وذلك أن ابنها عبد الله بن الزبير بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية, ودانت له الحجاز ومصر والعراق وخراسان وأكثر بلاد الشام.

لكن بني أمية ما لبثوا أن سيروا لحربه جيشا جرارا بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي؛ فدارت بين الفريقين معارك طاحنة؛ أظهر فيها ابن الزبير من ضروب البطولة ما يليق بفارس كمي مثله. غير أن أنصاره جعلوا ينفَضُّون عنه شيئا فشيئا, فلجأ إلى بيت الله الحرام؛ فاحتمى هو ومَن معه في حمى الكعبة المعظمة.

وقبيل مصرعه بساعات دخل على أمه أسماء -وكانت عجوزا فانية قد كُف بصرها- فقال: السلام عليك يا أمه ورحمة الله وبركاته.

فقالت: وعليك السلام يا عبد الله.. ما الذي أقدمك في هذه الساعة؛ والصخور التي تقذفها منجنيقات الحجاج على جنودك في الحرم تهز دور مكة هزا؟!

قال: جئت لأستشيرك.

قالت: تستشيرني في ماذا؟!

قال: لقد خذلني الناس، وانحازوا عني رهبة من الحجاج أو رغبة فيما عنده؛ حتى أولادي وأهلي انفضوا عني, ولم يبقَ معي إلا نفر قليل من رجالي, وهم مهما عظم جلَدهم فلن يصبروا إلا ساعة أو ساعتين. ورسل بني أمية يفاوضونني على أن يعطوني ما شئت من الدنيا إذا أنا ألقيت السلاح وبايعت عبد الملك بن مروان.. فما ترين؟ فعلا صوتها، وقالت: الشأن شأنك يا عبد الله, وأنت أعلم بنفسك.. فإن كنت تعتقد أنك على حق, وتدعو إلى حق؛ فاصبر وجالد كما صبر أصحابك الذين قُتلوا تحت رايتك.. وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت؛ أهلكت نفسك وأهلكت رجالك.

قال: ولكني مقتول اليوم لا محالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت