فهرس الكتاب
قالت: ذلك خير لك من أن تسلم نفسك للحجاج مختارا؛ فيلعب برأسك غلمان بني أمية.
قال: لست أخشى القتل, وإنما أخاف أن يمثلوا بي.
قالت: ليس بعد القتل ما يخافه المرء. فالشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ.
فأشرقت أسارير وجهه، وقال: بوركت من أم, وبوركت مناقبك الجليلة.. فأنا ما جئت إليك في هذه الساعة إلا لأسمع منك ما سمعت.. والله يعلم أنني ما وهنت ولا ضعفت؛ وهو الشهيد على أنني ما قمت بما قمت به حبا بالدنيا وزينتها, وإنما غضبا لله أن تُستباح محارمه.. وها أنذا ماضٍ إلى ما تحبين.. فإذا أنا قُتلت فلا تحزني عليّ، وسلمي أمرك لله.
قالت: إنما أحزن عليك لو قُتلت في باطل.
قال: كوني على ثقة بأن ابنك لم يتعمد إتيان منكر قط, ولا عمل بفاحشة قط, ولم يَجُر في حكم الله, ولم يغدر في أمان, ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد, ولم يكن شيء عنده آثر من رضا الله عز وجل.. لا أقول ذلك تزكية لنفسي؛ فالله أعلم مني بي, وإنما قلته لأدخل العزاء على قلبك.
قالت: الحمد لله الذي جعلك على ما يحب وأحب.. اقترِب مني يا بني لأتشمم رائحتك وألمس جسدك؛ فقد يكون هذا آخر العهد بك.
فأكب عبد الله على يديها ورِجليها يوسعهما لثما, وأجالت هي أنفها في رأسه ووجهه وعنقه تتشممه وتقبله, وأطلقت يديها تتلمس جسده, ثم ما لبثت أن ردتهما عنه وهي تقول: ما هذا الذي تلبسه يا عبد الله؟!
قال: درعي.
قالت: ما هذا يا بُني لباس مَن يريد الشهادة.
قال: إنما لبستها لأطيب خاطرك وأسكن قلبك.
قالت: انزعها عنك؛ فذلك أشد لحميتك، وأقوى لوثبتك، وأخف لحركتك.. ولكن البس بدلا منها سراويل مضاعفة؛ حتى إذا صُرعت لم تتكشف عورتك.
نزع عبد الله بن الزبير درعه, وشد عليه سراويله, ومضى إلى الحرم لمواصلة القتال وهو يقول: لا تفتري عن الدعاء لي يا أمه.