الصفحة 188 من 200

فرفعت كفيها إلى السماء وهي تقول: اللهم ارحم طول قيامه وشدة نحيبه في سواد الليل والناس نيام.. اللهم ارحم جوعه وظمأه في هواجر المدينة ومكة وهو صائم.. اللهم ارحم بره بأبيه وأمه.. اللهم إني قد سلمته لأمرك, ورضيت بما قضيتَ له؛ فأثبني عليه ثواب الصابرين.

لم تغرب شمس ذلك اليوم إلا كان عبد الله بن الزبير قد لحق بجوار ربه. ولم يمضِ على مصرعه غير بضعة عشر يوما إلا كانت أمه أسماء بنت أبي بكر قد لحقت به؛ وقد بلغت من العمر مائة عام؛ ولم يسقط لها سن ولا ضرس, ولم يغب من عقلها شيء.

فلو كان النساءُ كمثلِ هذي ... ... لفُضِّلَتِ النساءُ على الرجالِ

فما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عيبٌ ... ... ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ

مع عروة بن الزبير:

خرج عروة بن الزبير إلى الوليد بن يزيد فوطأ عظما, فما بلغ إلى دمشق حتى بلغ به كل مذهب. فجمع له الوليد الأطباء, فأجمع رأيهم على قطع رجله. فعرضوا عليه أن يشرب مُرقِّدا (مخدرا) فرفض وقال: إنما ابتلاني ليرى صبري, وما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى. فأُحمي له المنشار، وقُطعت رجله وقال: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } [الكهف:62] . وتمثل بهذه الأبيات:

لعمري ما أهويتُ كفي لريبةٍ ... ... ولا نقلتني نحوَ فاحشةٍ رِجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ ... ... من الدهرِ إلا قد أصابت فتًى قبلي

فبينما هو كذلك إذ أتاه خبر ولده أنه اطلع من سطح على دواب الوليد فسقط بينها فمات. فقال:

اللهم إن كنتَ قد ابتليتَ فقد عافيتَ, وإن كنتَ أخذتَ فقد أبقيتَ..

أخذتَ عضوا وأبقيتَ أعضاء, وأخذتَ ابنا وأبقيت أبناء..

وما ترك ورده تلك الليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت