فهرس الكتاب
وقدم على الوليد وفد من عبس؛ فيهم شيخ ضرير. فسأله عن حاله وسبب ذهاب بصره, فقال: خرجت مع رفقة مسافرين؛ ومعي مالي وعيالي. ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي. فعرسنا في بطن وادٍ، فطرقنا سيل؛ فذهب ما كان لي من أهل ومال وولد؛ غير صبي صغير وبعير. فشرد البعير, فوضعت الصغير على الأرض, ومضيت لآخذ البعير؛ فسمعت صيحة الصغير، فرجعت إليه؛ فإذا رأس الذئب في بطنه؛ وهو يأكل فيه! فرجعت إلى البعير؛ فحطم وجهي برجليه؛ فذهبت عيناي؛ فأصبحت بلا عينين ولا ولد ولا مال ولا أهل..
فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الدنيا مَن هو أعظم مصيبة منه.
مع الإمام الممتحن أحمد بن حنبل ومسألة خلق القرآن:
يعتقد المعتزلة أن الله سبحانه وتعالى يخلق الكلام كما يخلق كل شيء. وعلي هذا الاعتقاد بنوا دعواهم أن القرآن مخلوق لله سبحانه وتعالى. ولقد خاض المعتزلة في حديث خلق القرآن خوضا شديدا في العصر العباسي, وشاركهم بعض قليل من الفقهاء.
وابتدأ خوض المعتزلة يشتد في عهد الرشيد, فأخذوا يدعون الناس إلى ذلك, ولكن الرشيد لم يكن من الذين يشجعون الخوض في العقائد والجدل فيها على ضوء أقوال الفلاسفة؛ ولذلك لم يشجع المعتزلة على ذلك الخوض, بل يُروى أنه حبس طائفة من المجادلين من هؤلاء المعتزلة.
فلما جاء المأمون أحاط به المعتزلة, وكان جل حاشيته من رجالهم, وأدناهم هو إليه, وأكرمهم أبلغ الإكرام.
ولما أحس المعتزلة بهذه المنزلة؛ زينوا له إعلان قوله في خلق القرآن؛ نشرا لمذهبهم. وصادف ذلك هوى في نفسه؛ فأعلن ذلك سنة 212 هـ، وناظر من يغشى مجلس مناظرته في هذا الشأن, وأدلى فيها بحجته وأدلته, وترك الناس أحرارا في عقائدهم؛ لا يُحملون على فكرة لا يرونها.