فهرس الكتاب
وفي سنة 218 هـ وهي السنة التي تُوفي فيها؛ بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق فكرة خلق القرآن. فأراد أن يحملهم على ذلك قهرا, وابتدأ ذلك بإرسال كتبه وهو بـ"الرقة"إلى إسحاق بن إبراهيم نائبه في بغداد بامتحان الفقهاء والمحدثين؛ ليحملهم على أن يقولوا: إن القرآن مخلوق.
وقد سارع إسحاق بن إبراهيم إلى تنفيذ رغبته؛ فأحضر المحدثين والفقهاء والمفتين؛ وفيهم أحمد بن حنبل, وأنذرهم بالعقوبة الصارمة والعذاب العتيد إن لم يقروا بما يُطلَب منهم, وينطقوا بما سئلوا أن ينطقوا به, ويحكموا بالحكم الذي ارتآه المأمون من غير تردد أو مراجعة.. فنطقوا جميعا بما طُلب منهم, وأعلنوا اعتناق ذلك المذهب.
ولكن أربعة ربط الله على قلوبهم, واطمأنوا إلى حكم الله, وآثروا الباقية على الفانية؛ فأصروا على موقفهم إصرارا جريئا؛ وهم: أحمد بن حنبل, ومحمد بن نوح, والقواريري, وسجادة.. فشُدوا في الوثاق, وكُبلوا بالحديد, وباتوا ليلتهم مصفدين في الأغلال. فلما كان الغد أجاب سجادة فيما دُعي إليه؛ فخلوا عنه وفكوا قيوده، واستمر الباقون على حالهم.
وفي اليوم التالي أعيد السؤال عليهم, وطُلب الجواب إليهم؛ فخارت نفس القواريري، وأجابهم إلى ما طلبوا؛ ففكوا قيوده. وبقي اثنان؛ الله معهما.. فسيقا في الحديد؛ ليلتقيا بالمأمون في طرطوس. وقد استشهد ابن نوح في الطريق.
وبينما هم في الطريق نعى الناعي المأمون. ولكنه لم يودع هذه الدنيا من غير أن يوصي أخاه المعتصم بالاستمساك بمذهبه في القرآن, ودعوة الناس إليه بقوة السلطان.. وجاء في الوصية:"يا أبا إسحاق! ادنُ مني, واتعظ بما ترى, وخذ بسيرة أخيك في خلق القرآن".