الصفحة 191 من 200

ولهذه الوصية لم تنقطع المحنة بوفاة المأمون, بل اتسع نطاقها, وزادت ويلاتها, وكانت شرا مستطيرا على المتوقفين من الزهاد والعلماء والفقهاء والمحدثين؛ وعلى رأسهم أحمد بن حنبل. فقد بلغ البلاء أشده, والمحنة أقصاها في عهد المعتصم, ثم في عهد الواثق.

تبين أن أحمد بن حنبل كان مقيدا مسوقا عندما مات المأمون, فأعيد إلى السجن ببغداد حتى يصدر في شأنه أمر. ثم سيق إلى المعتصم, واتخذت معه ذرائع ا?غراء وا?رهاب؛ فما أجدى في حمله ترغيب ولا ترهيب. فلما لم يُجدِ القول رغبا ولا رهبا نفذوا الوعيد؛ فأخذوا يضربونه بالسياط المرة بعد الأخرى.. ولم يُترك في كل مرة حتى يُغمى عليه, ويُنخس بالسيف فلا يحس! وتكرر ذلك مع حبسه نحوا من ثمانية وعشرين شهرا.. فلما استيأسوا منه, وثارت في نفوسهم بعض نوازع الرحمة أطلقوا سراحه, وأعادوه إلى بيته؛ وقد أثخنته الجراح, وأثقله الضرب المبرح المتوالي, وا?لقاء في غيابات السجن.

عن محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة قال: سمعت شاباص النائب يقول: لقد ضربتُ أحمد بن حنبل ثمانين سوطا؛ لو ضربته فيلا لهدته!

وعن ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يُمتَحن! فدخلت.. فلما ضُرب سوطا قال: بسم الله.. فلما ضُرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.. فلما ضُرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق.. فلما ضُرب الرابع قال: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) .. فضُرب تسعة وعشرين سوطا. وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت؛ فنزل السروال إلى عانته؛ فرمى أحمد طرفه إلى السماء وحرك شفتيه؛ فما كان بأسرع أن بقي السروال لم ينزل.. فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تحرك شفتيك؛ فأي شيء قلت؟ قال: قلت:

اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش؛ إن كنت

تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت