فهرس الكتاب
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت كثيرا أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم! غفر الله لأبي الهيثم! عفا الله عن أبي الهيثم! فقلت: يا أبه.. مَن أبو الهيثم؟ فقال: لما أُخرجت للسياط إذا أنا بشاب يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا.. قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار, مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضُربت ثمانية عشر ألف سوط وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا؛ فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين.
استقر أحمد بن حنبل في بيته بعد أن عاد إليه لا يقوى على السير, واستمر منقطعا عن الدرس والتحديث ريثما التأمت جراحه. فلما رُد إليه ثوب العافية مكث يُحدِّث ويدرس بالمسجد حتى مات المعتصم. فلما تولى الواثق أعاد المحنة على أحمد, ولكنه لم يتناول السوط، ولم يضرب ابن حنبل كما فعل المعتصم -إذ رأى أن ذلك زاده منزلة عند الناس- بل منعه من الاجتماع بالناس, وقال الواثق له: لا تجمعن إليك أحدا، ولاتساكني في بلد أنا فيه. فأقام ا?مام مختفيا؛ لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها؛ حتى مات الواثق.
وبذلك انقطع أحمد عن الدراسة مدة تزيد على خمس سنوات إلى سنة 232هـ. وبعدها عاد إلى الدرس والتحديث مكرما؛ ترفعه عزة التقى وجلال السن والقناعة والزهادة وحسن البلاء؛ بعد أن عكر حياته ذلك الامتحان الخطير الذي دام نحوا من أربع عشرة سنة؛ تراخى عنه العذاب والتنكيل والاضطهاد في نصفها، واستمر في سائرها.
وإن من الحق أن نذكر أن صفة الصبر التي امتاز بها أحمد هي من نوع الصبر الذي جاء ذكره في القرآن الكريم, ودعا إليه يعقوب بنيه فيما حكى الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } [يوسف:18] .
والصبر الجميل هو الصبر من غير أنين ولا شكوى ولا ضجر. وكذلك كان أحمد بن حنبل. فلقد نزل به الأذى ما نزل فما أنَّ, وما ضج بالشكوى، وكان فيه صاحب الجنان الثابت الذي لا يطيش.