الصفحة 193 من 200

ومما يدل على قوة جنانه وثباته أنه أُدخل على الخليفة في أيام المحنة؛ وقد هولوا عليه لينطق بما ينجيه ويرضيهم, وقد ضُرب عنق رجلين في حضرته.. ولكنه في وسط ذلك المنظر المروع وقع نظره أيضا على بعض أصحاب الشافعي؛ فسأله: وأي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح على الخفين؟! فأثار ذلك دهشة الحاضرين, وراعهم ذلك الجنان الثابت الذي ربط الله على قلب صاحبه؛ حتى لقد قال خصمه أحمد بن أبي دؤاد متعجبا: انظروا لرجل هو ذا يُقدم لضرب عنقه فيناظر في الفقه!

وقد يتساءل القارئ عن سر هذه القوة التي جعلته يحتمل ما احتمل, ويعلو على الشدائد.. والسر في ذلك أن هذا الرجل قد اعتز بالله وحده, وتوكل عليه تعالى وحده, ولم يحس بعظمة أحد سواه.. ولامتلاء نفسه بهذا الوجدان العظيم استهان بكل شيء: استهان بالشدائد, واستهان بمفاخر الحياة وزينتها, ورضي من متاعها بالقليل, ولم يقنع من العمل لله بغير الكثير الوفير, وقد أعطاه ذلك الاعتزاز علوا عن سفاسف الأمور.

هانت عليه نفسه في الله تعالى فبذلها, كما هانت على بلال نفسه.

وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب؛ فعيون

البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال..

أجدرُ الناسِ بالكرامةِ عبدٌ ... تلفت نفسُه ليسلمَ دينُه

وفي القرن الثامن سطع نور العالم الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية يوضح معالم ا?سلام ويرد عنه الشُّبَه, ويدفع عن الأمة كلها البلاء؛ فيكافأ العالم العامل بالسجن!

قضى شيخ الإسلام ابن تيمية معظم حياته في محن وابتلاءات متتالية، يدخل المعتقل ثم يخرج منه، في الشام وفي مصر، دخول وخروج، حتى جاءت اللحظة التي دخل فيها بجسده ثم خرج بروحه الطيبة، وذلك عندما اعتقلوه لآخر مرة سنة 726هـ بسجن القلعة بدمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت