الصفحة 194 من 200

ظل في هذا السجن لأكثر من عامين، وقد ضيقوا عليه بشدة، ولكنه / لم يكف عن إعمال عقله وفكره وتدوين علمه، وقد حول سجنه من محنة لحريته وجسده إلى منحة لسياحاته الفكرية وإبداعاته العقلية والعلمية لخدمة مشروعه الإصلاحي الكبير لنهضة الأمة.

ولما رأى خصومه فيوضات عقله النير تخرج من خلف الجدران والأسوار ممثلة في رسائله ومؤلفاته الفائقة، أرادوا أن يسكتوا صوت الحق، ويطفئوا نور العلم، فصادروا أقلامه وأوراقه لمنعه من الكتابة، حتى إنه اضطر لأن يكتب الرسائل لأهله وتلاميذه خارج السجن بالفحم على الرسائل التي أرسلوها إليه أولًا بعد أن يغسلها بالماء ويجففها.. فما كان من أعدائه إلا أن بالغوا في أذيته، ونقلوه إلى زنزانة مظلمة فأضرت ببصره فلم يستطع أن يكتب بالفحم، وذلك قبل وفاته بخمسة أشهر.

ظن خصوم ابن تيمية أنهم بجرائمهم تلك قد نالوا من معنوياته وروحه العالية ولكن هيهات هيهات، أنَّى للريح العاتية أن تنال من الجبال الراسية؟! فلقد انتهز ابن تيمية الأمر وأقبل على كتاب الله عز وجل قراءة وتدبرًا ودعاءً وتبتلًا وصلاة ومناجاة، وهو في أسعد عيش وأطيب قلب..

وظل ا?مام في سجن القلعة في دمشق صابرا محتسبا يقول:"نحن ولله الحمد والشكر في نعم متزايدة متوافرة, وجميع ما يفعله الله فيه خير ا?سلام. وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. فإن الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله الذي بعث به رسله وأنزل عليهم كتبه, ومن سنة الله أنه إذا أراد إظهار دينه أقام مَن يعارضه فيحق الحق بكلماته, ويقذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق".

ومن كلماته النيرات أيضا وهو في السجن:"ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي في صدري، أنى رحت فهي معي، أنا حبسي خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة".

وقد ختم / خلال الشهور الأخيرة من حياته القرآن أكثر من ثمانين مرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت