الصفحة 196 من 200

وقال ابن القيم: هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء, بل من أقرب الطرق وأسهلها, وذلك أنك في وقت بين وقتين, وهو في الحقيقة عمرك, وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يُستقبل. فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار, وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق, إنما هو عمل قلب. وتمتنع فيما يُستقبل من الذنوب. وامتناعك ترك وراحة، ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته, وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك. فما مضى تُصلحه بالتوبة, وما يُستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية. وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب. ولكن الشأن في عمرك؛ وهو وقتك الذي بين الوقتين, فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك, وإن حفظته مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكرت؛ نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم. [1]

قال الحسن البصري: المبادرة.. المبادرة.. فإنما هي الأنفاس، لو حُبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل

رحم الله امرءا نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه

ثم قرأ: (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) .. يعني الأنفاس

آخر العدد خروج نفسك..

آخر العدد فراق أهلك..

آخر العدد دخولك في قبرك..

فنادِ إذا سجدتَ لهُ اعترافًا ... ... بما ناداه ذو النونِ ابنُ متى

ونفسَكَ ذُمَّ لا تَذمُمْ سواها ... فلو بكتِ الدما عيناكَ خوفًا ... ومَن لكَ بالأمانِ وأنتَ عبدٌ ... ... بعيبٍ فهي أجدرُ مَن ذممتا

ثَقُلْتَ مِنَ الذنوبِ ولستَ ... ... لذنبِكَ لم أقُلْ لكَ قد أمنتا

فلا تضحكْ مع السفهاِء لهوًا ... ولا تقل الصِّبا فيهِ مجالٌ ... ... أُمرتَ فما ائتمرتَ ولا أطعتا

تَفُتُّ فؤادَكَ الأيامُ فَتًّا ... ... تخشى لجهلِكَ أنْ تخفَّ إذا وُزنتا

وتدعوكَ المنونُ دعاءَ صدقٍ ... ... فإنكَ سوف تبكي إنْ ضحكتا

وفكِّر كم صبيٍّ قد دفنتا

وتَنحَتُ جسمَكَ الساعاتُ نحتا

ألا يا صاحِ: أنتَ أريدُ أنتا

(1) الفوائد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت