فهرس الكتاب
وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع لها أهل السوق فما التفت. وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته, فإذا قام يصلي تكلموا أو ضحكوا علما منهم بأن قلبه مشغول عنهم. وكان يقول: إلهي! متى ألقاك وأنت عني راضٍ..؟
قال حاتم الأصم: فاتتني صلاة الجمعة مرة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده, ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا.
وقيل عن محمد بن نصر المروزي: ما رأيت أحسن صلاة منه، وبلغني أن زنبورًا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك! ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة.. كان يضع ذقنه على صدره فينتصب كأنه خشبة منصوبة.
وقال سفيان الثوري: لو رأيتَ منصور بن المعتمر يصلي لقلتَ: يموت الساعة! وقال أبو بكر بن عياش: رأيتُ حبيب ابن أبي ثابت يصلي وكأنه ميت! -يعني من خوفه وخشوعه- لأن القوم قد ملأ الخشوع قلوبهم فسكنت جوارحهم.
وقال جندب بن عبد الله ت: إذا وقفتم بين يدي ربكم للصلاة فاجعلوا الجنة والنار بين أيديكم، والميزان والصراط حولكم كأنكم تقولون: { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } [السجدة:12]
فلله درهم.. عرفوا طريق النجاة؛ فوقفوا على قدم الأدب في المناجاة
فنال كل منهم ما رجاه, فلهم عند ربهم أعظم قدر وجاه.
وقد نهي رسول الله خ عن الالتفات في الصلاة قائلا:"فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت". [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]
والالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان: أحدهما: التفات القلب عن الله عز وجل إلى غير الله تعالي. والثاني: التفات البصر. وكلاهما منهي عنه.