فهرس الكتاب
فإذا استعذت فاعلم أن الاستعاذة هي التجاء إلى الله سبحانه, فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغوا. وتفهَّم معنى ما تتلو, وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . فهو سبحانه المستحق لجميع المحامد. واستحضر لطفه عند قولك: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . وعظمته عند قولك: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) . وكذلك في جميع ما تتلو.
واستشعر في ركوعك التواضع, وفي سجودك زيادة الذل, وتذكر عندهما كبرياء الله تعالى, وسبح ربك, واشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل عظيم. ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة, وخف ألا تُقبل صلاتك، أو أن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن؛ فتُرد صلاتك في وجهك, وترجو مع ذلك أن يقبلها الكريم بكرمه وفضله.
وباستحضار هذه المعاني وأمثالها يتحقق جلاء القلب من الصدأ,
ويتم حصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمة المعبود.
وتتمثل هذه المعاني فيما روي عن حاتم الأصم وقد سئل: كيف تقيم صلاتك؟ فقال: أتوضأ فأسبغ الوضوء, ثم آتي موضع الصلاة بسكينة ووقار، فأكبر تكبيرا بتوقير, وأقرأ قراءة بترتيل, وأركع ركوعا بتخشع, وأسجد سجودا بتذلل, وأتمثل الجنة عن يميني والنار عن شمالي, والصراط تحت قدميّ, والكعبة بين حاجبيّ, وملَك الموت على رأسي, وذنوبي محيطة بي, وعين الله ناظرة إليّ, وأعتبرها آخر صلاة لي, وأُتبعها ا?خلاص ما استطعت، ثم أسلم وأنا لا أدري: أيقبلها الله مني أم يردها عليّ؟
وكان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلين, فقيل له ذات يوم: هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء؟ قال: نعم.. بوقوفي بين يدي الله عز وجل, ومنصرفي إلى إحدى الدارين. قيل: فهل تجد شيئا مما نجد من أمور الدنيا؟ قال: لأن تختلف الأسنة فيّ أحب إليّ من أن أجد في صلاتي ما تجدون.