فهرس الكتاب
(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) أي: لتذكرني؛ لأن دوام ورتابة النعمة قد تُنسيك المنعم، فحين تسمع نداء (الله أكبر) ، وترى الناس تُهرَع إلى بيوت الله لا يشغلهم عنها شاغل؛ تتذكر إنْ كنتَ ناسيا، وينتبه قلبك إنْ كنتَ غافلًا.
وحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه؛
فإن موقع نظر الله سبحانه القلوب.
فينبغي للمصلي إذا سمع نداء المؤذن أن يحضر في قلبه هول النداء يوم القيامة, ويشمر بظاهره وباطنه للإجابة والمسارعة؛ فإن المسارعين إلي هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم اللعرض الأكبر. فأعرض قلبك على هذا النداء، فإن وجدته مملوءًا بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرغبة إلى الابتداء؛ فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء. ولذلك كان خ يتلهف عليها قائلا لبلال:"أرحنا بها".. وما أعظم الفرق بين من يقوم إلى صلاته وهو يقول: أرحنا بها، وبين من يقوم إليها وهو يقول: أرحنا منها!
وأما ستر العورة فإن معناه تغطية مقابح البدن عن أبصار الخلق؛ فإن ظاهر البدن موقع لنظر الخلق، فما بالك في عورات الباطن وفضائح السرائر التي لا يطلع عليها إلا الرب عز وجل؟ فينبغي للمصلي أن يحضر تلك الفضائح بباله، ويطالب نفسه بسترها؛ فإنه لا يستر عن عين الله عز وجل ساتر. وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف.. فيقوم بين يدي الله قيام العبد المسيء الآبق, الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف.
وأما استقبال القبلة فإن المصلي يصرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى, فصرف قلبه إلى الله تعالى أولى من ذلك, فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى الله تعالى إلا بالانصراف عما سواه.
وإذا كبرت أيها المصلي فلا يكذبن قلبُك لسانَك؛ لأنه إذا كان في قلبك شيء أكبر من الله تعالى فقد كذبت. فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك موافقته علي طاعة الله تعالى.