الصفحة 90 من 200

والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه؛ فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه، وأغيظه للشيطان، وأشده عليه. فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لايزال به يعده ويمنيه وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورَجِله حتى يُهوِّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها. فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه؛ فيُذكِّره في الصلاة مالم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الحاجة وأيس منها، فيُذَكِّره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله عز وجل؛ فيقوم فيها بلا قلب؛ فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجل الحاضر بقلبه في صلاته. فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله؛ لم تَخِفّ عنه بالصلاة.

فإن الصلاة إنما تكفر سيئات مَن أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه. فهذا إذا انصرف منها وجد خفة مِن نفسه، وأحسَّ بأثقال قد وُضعَت عنه؛ فوجد نشاطًا وراحة وروحًا حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قرة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا.. فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها؛ فيستريح بها لا منها.. فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم - صلى الله عليه وسلم -:"يا بلال! أرحنا بالصلاة". وقال - صلى الله عليه وسلم -:"جعلت قرة عيني في الصلاة". فمَن جُعلَت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه بدونها؟ وكيف يطيق الصبر عنها؟

جاء مملوك إلي سيده فقال: ضاعت مخلاة الفرس. فقام السيد يصلي, فلما

فرغ من الصلاة قال: هي في موضع كذا. فقال الغلام: يا سيدي..

أعد الصلاة؛ فإنك كنت تفتش عن المخلاة..!

فيا غائب القلب في صلاته, يا شتيت الهم في جهاته, يا مشغولا بآفاته

عن ذكر وفاته, يا قليل الزاد مع قرب مماته..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت