فهرس الكتاب
ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات، فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم بسبب ذلك الاجتماع؛ كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس؛ فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى؛ فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل مَن له ذوق سليم، وأدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونورًا وراحة.
ويحتمل أن يكون السبب في كونه مشهودًا هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا؛ فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره وعقله، وصارت هذه الألواح كألواح سُطرت فيها نقوش فاسدة، ثم غُسلت وأُزيلت تلك النقوش عنها، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة. فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى، وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه، والإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى؛ انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة. ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة؛ وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها. فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته، ويضعف الميل إلى الدنيا وشهواتها.
إذا عرفت هذا فنقول: هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس. وذلك يدل على المقصود.