الصفحة 16 من 60

وأيد هذا الرأي العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي ـ العقوبة» تحت عنوان «دية المرأة» قال: «يقول ابن قدامة في المغني ما نصه: قال ابن المنذر و ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن عُلية و الأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل، لقوله عليه السلام «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في كتاب عمرو بن حزم «دية المرأة على النصف من دية الرجل» وهي أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسرًا لما ذكروه مخصصًا له.

هذا نص ما قاله صاحب المغني، وقد ادعى فيه الإجماع، وقال صاحب البدائع في معنى هذا الإجماع: إن آراء الصحابة أعلنت من بعضهم، ولم ينكر سائرهم، فكان إجماعًا سكوتيًا، وقد أنكر كثيرون حجية الإجماع السكوتي، وقد زكى ذلك النظر بدليلين آخرين:

أحدهما: أن المرأة في الميراث تأخذ نصف ميراث الرجل، فتكون في الناحية المالية مقدرة في التعويض بنصف دية الرجل.

ثانيهما: أن الدية تعويض عن المفقود، وتقويم لما نقص المجتمع بفقده، وذلك يقتضي أن يكون تعويض فقد المرأة أقل من تعويض الرجل، لأن منافع المرأة دون منافع الرجل، وتقدير هذا التعويض يكون بتقدير الميراث، وهو أن تكون على النصف.

ونرى من هذا النظر أنه نظر إلى المالية، ولم ينظر إلى الآدمية، وإلى جانب الزجر للجاني، والحقيقة أن النظر في العقوبة إلى قوة الإجرام في نفس المجرم، ومعنى الاعتداء على النفس الإنسانية، وهي قدر مشترك عند الجميع لا يختلف باختلاف النوع، فالدية في حد ذاتها عقوبة للجاني، وتعويض لأولياء المجني عليه أو له هو ذاته إذا كان ذلك في الأطراف، وعلى ذلك ينبغي أن تكون دية المرأة كدية الرجل على سواء، إذ هي عقوبة الدماء، ولأن المعتدي بقتل امرأة كالمعتدي بقتل رجل على سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت