أليس الدين الذي ارتضاه الله لخلقه نظامًا وحياة وعبادة وهو الإسلام أولى برفع الشعارات وتسخير المقدرات من الاستسلام لهذه الشعارات الزائفة، والحرية الصلعاء، والعدالة المزعومة، والديمقراطية المستأجرة. لقد بلغ بنا الأمر إلى حد يستثير الشفقة، ويستنطق العطف، أمة بلا قادة، ودول بلا سيادة، ومقدرات بلا قوة، ودين بلا تقديس، لا أدري في الحقيقة إلى متى ونحن نعطي الدنية في ديننا، إلى متى والمجاملة في الدين، لماذا نجَعلُ الإسلام محكومًا تابعًا نتلمس منه ما يوافق قوانين الغرب الوضعية، لماذا لا نضع الإسلام في موضعه ونجعله الحاكم لا المحكوم.
إن كثيرًا من علماء العصر قد بلغ به من فرط التسليم للغرب أن أصبح لا يعوزه حكم غربي إلا ويجعل له من فقه الإسلام دليلًا، بل قد لا يتهيب بعضهم أن ينسف الدليل ليبقى الحكم الغربي غير مخالف للإسلام، ومن أعجب ما رأيت، ما ذكره فضيلة الشيخ القرضاوي في حاشية فتاوى مصطفى الزرقا ص (394 ) عن العلامة أبي زهرة، من إنكاره للرجم وقوله بأنه عقوبة يهودية.
لذلك وغيره مما يطول شرحه رأيت أن أكتب في موضوع دية المرأة الذي أثير من قَبْلُ، وأثاره الشيخ القرضاوي - حفظه الله - هذه الأيام، لأنني أحسب التأصيل الذي ذكره الشيخ في هذه المسألة مدخلًا خطرًا وخطأ محضًا ينبغي التنبيه عليه والإشارة إليه، ولا أظن الشيخ - حفظه الله تعالى - إلا طالب حق، وناشد هدى، ومن ثم فإني استسمحه العذر إن شطت العبارة أو ندت الإشارة، إذ المعصوم من عصمه الله، والموفق من هداه الله، غير أني لن آلو جهدًا في محاولة بيان ما أراه من الحق، بألطف تعبير وأسلم تصوير، ولا أظن الشيخ إن صدق الظن به إن شاء الله إلا سيتسع صدره لهذا الاعتراض، بل أراه سيعجب به إن شاء الله تعالى، لما أعلمه من محبة الشيخ للنقاشات العلمية التي تنشد الصواب وتثري المعرفة، والحكمة ضالة المؤمن أنا وجدها التقطها.