وأما بالنسبة لنقاش القضية فسأجعله في مقالين، المقال الأول في مناقشة أمرين؛ أولهما في التأصيل للاجتهاد، والثاني في أعظم أدلة التنصيف وهو الإجماع، والمقال الثاني سيكون - إن شاء الله تعالى - في بقية أدلة التنصيف، والله ولي التوفيق.
المقال الأول في الاجتهاد والإجماع
الدائرتان مفتوحتان
في الحقيقة لست مخالفًا للشيخ في أن ثمة دائرتين في الفقه؛ دائرة مفتوحة يدخلها الاجتهاد، وأخرى مغلقة لا يدخلها، ولكني - والله - على وجل من سعة فتحة إحداهما، ولست - والله - على يقين من إحكام إغلاق الأخرى.
أقول هذا لأن الشيخ - حفظه الله - قد أدخل في الدائرة الأولى جميع الأحكام الشرعية التي يدخلها الظن من جهة الدلالة أو الثبوت، بينما لم يدخل في الأخرى إلا ما كان قطعي الدلالة والثبوت، وقطعي الثبوت هو ما لا يتصور فيه الخطأ، وذلك لا يصدق عند الجميع إلا على المتواتر، وقطعي الدلالة ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
ومن ثم كانت معظم أحكام الشريعة داخلة عنده في الدائرة الأولى دون الثانية، وهذه - والله - هي القشة التي تكاد أن تقصم ظهر البعير، لأن ما كان قطعي الدلالة والثبوت على اصطلاح الأصوليين لا يوجد منه - كما هو معلوم - إلا النزر اليسير، وعليه فإن معظم أحكام شريعة الإسلام ستكون مع تغير الزمان والمكان والحال والعرف عرضة للتغيير.
الأحكام المعرضة للتغيير
يؤسفني - في الحقيقة - أني لا أرى في كلام الشيخ - حفظه الله - من الضوابط وهو يقرر ما يمكن أن يدخله الاجتهاد إلا ضابطين؛ أولهما: أن تكون الأدلة ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة، أو ظنيتهما معًا، والثاني: أن يكون سبب الاجتهاد تغير الزمان أو المكان أو الحال أو العرف.
وعليه يمكن القول بأن مجال الاجتهاد الذي يسع الاختلاف فيه يشمل ما يلي: