وقال القرافي في الفروق (87/2) الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ، وإلا لسقطت دلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها، بل تسقط دلالة جميع الأدلة السمعية لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع الألفاظ، لكن ذلك باطل، فتعين حينئذ أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أو المقارب، أما المرجوح فلا"."
هذه بعض أقوال أهل العلم، ولولا خشية التطويل لأفضت في سرد أقوال العلماء في هذا المعنى، غير أن ما ذكر فيه كفاية، فالزركشي يدلل على حجية الظاهر ووجوب اتباعه بإجماع الصحابة، وبأن تركه يفضي إلى تعطل غالب أحكام الشريعة، لأن النصوص القطعية الدلالة والثبوت عزيزة، ونحو قوله قول القرافي، حيث علل بطلان ترك الاحتجاج بالظاهر لعدم قطعية دلالته بأنه يفضي إلى عدم الاحتجاج بالأدلة السمعية كلها يعني القرآن والسنة، لأنه ما من دليل سمعي إلا والاحتمال يتطرق إليه، وهذا هو قول كافة العلماء، فلا تكاد تجد عالمًا من أهل الأصول إلا ويذكر هذه القاعدة، ويقررها، أعني عدم ترك ظاهر النص بلا دليل، ولست أظن الشيخ يعارضهم في ذلك.
وعليه فإنه لا يجوز الاجتهاد في معارضة ظواهر النصوص، لأنه لا معنى لوجوب العمل بظواهر النصوص الذي يقرره العلماء إذا كنا نقول بجواز مخالفته من باب الاجتهاد بسبب تغير الزمان أو المكان أو العرف، دون دليل يسند ذلك الاجتهاد، ولهذا فإن ظاهر النص القرآني أو السنة النبوية الذي لا معارض له البتة ولا دليل يصرفه عن ظاهره لا يدخل في الدائرة المفتوحة، بل هو من الدائرة المغلقة، سواء تغير الزمان أم لم يتغير.
الضابط الثاني: احترام الإجماع
ومن الضوابط أيضًا ألا يتعارض الاجتهاد مع الإجماع، لأن الإجماع حجة من الحجج القاطعة للنزاع، ونصوص العلماء على حجية الإجماع وعدم جواز الاجتهاد معه أكثر من أن تحصر، غير أني أكتفي من ذلك بما أراه يغني عن التطويل، من ذلك ما يلي: