ما من شك في أن تغير العادات بتغير الزمان أو المكان أو الحال أمرٌ ينبغي مراعاته عند الإفتاء، حتى عرف عند الفقهاء قاعدة «العادة محكّمة» ، غير أن القول بمراعاة العادات أو الأعراف بسبب تغير الزمان ليس على إطلاقه في كل الأحكام، بل هو مختص بما يتوقف الحكم فيه أصلًا على معرفة العادات والأعراف، كالعيوب في البيع والنكاح، فما كان يعد عيبًا في الماضي قد لا يعد عيبًا في الحاضر فتتبع العادة في ذلك، قال القرافي في الفروق «45/1» انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام كما نقول.. في نفقات الزوجات والذرية والأقارب وكسوتهم.. وغير ذلك مما هو مبني على العوائد، مما لا يحصى عدده، متى تغيرت فيه العادة تغير الحكم بإجماع المسلمين، فقصر تحكيم العادة على ما هو مبني على العوائد، وهذا القول من القرافي لم يعارضه أحد جاء بعده بل تلقفه عنه كثير من العلماء ونقلوه في كتبهم، فتغير العادة بتغير الزمان إنما يراعى في المسائل المبنية على تلك العادة في الأساس، وأما الأحكام الثابتة بالأدلة الشرعية كالكتاب والسنة والإجماع والقياس فلا دخل لتغير العوائد فيها، ولذلك قال النفراوي في الفواكه الدواني «306/2» والعوائد لا يجوز العمل بها إلا عند عدم نصٍ عن الشارع مخالفٍ لها، وإلا كانت فاسدة يحرم العمل بها، ألا ترى لو اعتاد الناس فعل الزنا أو شرب الخمر لم يقل أحد بجواز العمل بها.
التشكيك في حجية الإجماع لا داعي له
إن القارئ لكلام الشيخ - وهو يناقش قضية الإجماع في هذه المسألة - لا يمكنه في الحقيقة أن يتغافل عما يقفز ماثلًا بين يديه من ضرورة التساؤل عن مراد الشيخ بإيراد ما نقله من التشكيك في أصل حجية الإجماع ههنا، لأن ما نقله الشيخ - حفظه الله - ههنا يوهم المطلع عليه أن الشيخ لا يقول بحجية الإجماع، أو يشكك فيه على الأقل، ولا يعتبره مصدرًا موثوقًا به، بينما نجد في عبارات الشيخ هنا وهناك ما يدل على أنه يعتبر الإجماع حجة.