فحكم كل جيل من القضاة والفقهاء بالتنصيف في الدول الإسلامية المتعاقبة، لا يمكن إلا أن يكون مأخوذًا من الجيل الذي كان قبله، إلى أن يصل الأمر إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأننا إما أن نتصور بأن جيل القضاة والفقهاء الذي يحكم بالتنصيف اليوم قد وافق في حكمه الجيل الذي قبله أو خالفه، وتصور المخالفة في العادة غير ممكن، لأنه لو كان الجيل اليوم مخالفًا للجيل الذي قبله في حكمه لوجدنا من أهل العلم المعاصرين لهذا الجيل مَنْ يعارض في ذلك، بسبب أن هذا الجيل قد خالف الجيل الذي قبله بلا دليل، فلما لم نجد من أهل هذا الجيل من يعارض جيله في حكمه دل ذلك على أن عمل هذا الجيل موافق لعمل الجيل الذي كان قبله، وهكذا يقال في كل جيل، إلى أن نصل إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا نعلم أن العلم بهذا الإجماع على التنصيف يعد ضرورة بالنسبة لأهل العلم، والله تعالى أعلم.
المحتاطون في نقل الإجماعات ينقلونه
إن هذا الإجماع لم يتردد في نقله أحد من أئمة الإسلام، فلم ينفرد بنقله من يوصف بالتساهل في نقل الإجماع كابن المنذر وابن عبد البر، بل وافقهما على نقله أكثر الناس احتياطًا في نقل الإجماع، ولم يعبأوا بمخالفة أبي بكر ابن الأصم وابن علية فيه، ومن أولئك النفر: ابن جرير الطبري حيث قال في تفسيره «209/5» لأن دية المؤمنة لا خلاف بين الجميع إلا من لا يعد خلافًا أنها على النصف من دية المؤمن، فنص على أن من خالف في تنصيف الدية لا يعد خلافه ولا يعتبر.