أولاهما: دائرة مفتوحة، يدخلها الاجتهاد والتجديد، وتتغير فيها الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف. وهي دائرة الأحكام الظنية، التي أُِخذ الحكم فيها من نصوص ظنية الثبوت، أو ظنية الدلالة، أو ظنيتهما معًا.أو استنبطت مما لا نص فيه عن طريق القياس والاستصلاح وغيرها.
وهذه الدائرة يدخل فيها معظم أحكام الشريعة. وهذا من فضل الله ورحمته بالأمة: أن جعل في مصادر شريعتها ـ وبالتالي في أحكامها ـ متسعا للاجتهاد واختلاف الآراء، ليتسع صدر الشريعة للمشدد والميسر، والآخذ بالظاهر، والناظر إلى المقصد، ولهذا لم يرد الله أن يثبت الأحكام بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، حتى لا يقطع الطريق على الاجتهادات المتجددة بتجدد الزمان والمكان والإنسان.
ومن هنا وجدت الأحكام المتعددة: والمذاهب المختلفة، والأقوال المتباينة، بين المذاهب بعضها وبعض، وداخل المذهب الواحد.
وربما ضاق بعض الناس بهذا الخلاف المنتشر، ولكنه لو أنصف وتدبر، لوجد في هذا: سعة ورحمه للأمة، فقد يصلح مذهب أو قول لزمن، ولا يصلح لغيره، ويصلح لبلد، ولا يصلح لآخر، ويصلح في حال ولا يصلح في أخرى. ولهذا ألف بعض العلماء كتابا سماه (رحمة الأمة باختلاف الأمة) .
ودائرة مغلقة لا تقبل اجتهادا ولا تجديدا
والدائرة الأخرى: دائرة مغلقة، لا يدخلها الاجتهاد ولا التجديد، ولا تتغير أحكامها بتغير الزمان أو المكان أو الحال، لأنها تمثل الثوابت العقدية والفكرية والعملية للأمة، وهي التي تمسكها على الجادة؛ حتى لا تتحول إلى (أمم) ، بل تبقى أمة واحدة في الظاهر والباطن.
وهذه الأحكام هي (القطعيات) أي التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهي قليلة جدا، ولكنها مهمة جدا، لأنها التي تحفظ على الأمة وحدتها العقلية والوجدانية والسلوكية.