ولهذا يجمع العلماء على أن من أنكر هذه الأحكام القطعية، أو استخف بها: يحكم عليه بالكفر، لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة، وهو بهذا يكذب الله تعالى ويكذب رسوله، ومثل هذا لا يصدر إلا من كافر.
ففي أي الدائرتين نضع حكم هذه القضية التي نبحث فيها اليوم، وهي: أن دية المرأة على النصف من دية الرجل؟ هذا ما سنلقي عليه الضوء في الصحائف التالية.
تشريع كان في الجاهلية وأقره الإسلام
وأبدأ هذا البحث بتمهيد يوضح مأخذ التشريع في الديات.
كان تشريع الديات في القتل الخطأ، مما تعارف عليه العرب في الجاهلية، وكان منهج الإسلام مع ما كان عليه أهل الجاهلية يتمثل في واحدة من ثلاث:
1-إما أن يقر ما كانوا عليه، إذا وجده صالحا، كما أقر نظام (المضاربة) أو (القراض) وهو اشتراك العمل والخبرة من جانب، ورأس المال من جانب آخر، للقيام بمشروع مشترك. وهذا يعتبر مما يسميه العلماء: السنة التقريرية.
ومن ذلك: أن يختار أصلح ما عندهم من أنواع المعاملات ويقرها، ويبطل غيرها مما لا يتفق وأهدافه ومبادئه، كما فعل في شأن (النكاح) فقد كان هناك أربعة أنواع، أبطل ثلاثة منها، وأبقى الرابع، وهو النكاح المعروف اليوم، والمتوارث من عهد النبوة.
2-وإما أن يلغيه ويبطله، كما فعل في الأنكحة الثلاثة من نكاحات الجاهلية «الاستبضاع والشغار والبغاء» ومثل إكراه الفتيات (الإماء) على البغاء، ليتكسب سادتهن من وراء بغائهن.
3-وإما أن يدخل عليه من التعديلات، بحذف بعض الأشياء، أو إضافة بعض الأشياء، حتى يستقيم العمل أو التصرف مع ما جاء به الإسلام.
كما في كثير من المعاملات والبيوع وغيرها. فقد كانوا يتعاملون بالسلم، ولكن بغير قيود تضبطه، فقال عليه الصلاة والسلام: «من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» .
وكانوا يتعاملون بمبدأ القصاص من 33»