وهذا القول في الحقيقة إجماع من المحتجين بالإجماع، لأنهم إنما اختلفوا في اشتراط انقراض العصر أو عدم اشتراطه لاعتبار الإجماع، أما إذا أجمع أهل عصر على مسألة إلى أن انقرضوا فهذا الذي لم يجوز أحد ممن يحتج بالإجماع مخالفته، ولذلك لما ذكر الجويني الخلاف في اشتراط انقراض المجمعين أو عدم اشتراطه، قال كما في البرهان في أصول الفقه «444/1» وإنما يمتنع الخلاف إذا استمروا على الوفاق حتى انقرضوا.
ومن ثم فإن مخالفة الأصم وابن علية لا تعتبر، لأنهما ليسا من الصحابة، ولا من التابعين، سواء كان ابن علية هو الابن أو الأب أو الجد حتى، على أن المنازعة في كون ابن علية هو الابن غريبة من الشيخ، ولولا تطويل المقال لبينت ما في منازعة الشيخ - حفظه الله - في ذلك من الغرابة، وأما نقل الإجماع على التنصيف عن الصحابة فقد أثبته غير واحد من أهل العلم ممن تقدم نقل الإجماع عنهم، حيث ينص كثير منهم على أنه إجماع من الصحابة، ولولا خشية التطويل لسقت أقوالهم، فمن أرادها فليرجع إلى مصادرها المشار إليها سابقًا، غير أنه يمكن التدليل عليه عند الكلام عن آثار الصحابة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، وعليه فإجماع الصحابة لا يجوز خرقه ممن جاء بعدهم، وهو أمر متفق عليه، ذكر الاتفاق عليه غير واحد من أهل العلم، منهم ابن حزم حيث قال في الإحكام «539/4» اعلموا أن جميع هذه الفرق متفقة على أن إجماع الصحابة إجماع صحيح، ومنهم الشوكاني نفسه، حيث قال في إرشاد الفحول «539/4» : البحث السابع: إجماع الصحابة حجة بلا خلاف.