وهذا كلام ليس من التحقيق العلمي في شيء، إذ كيف يكون الاحتجاج بمن وثقه غالب الأئمة - على زعمه - واحتجوا بحديثه، والحقيقة أنه متفق على توثيقه والاحتجاج به، كيف يكون ذلك مغامرةً تحيط بالإسناد أن يكون سليمًا معافى، وإذا كان مثل جرير يقال فيه ذلك فما عساه يبقى للأمة من الأحاديث يا ترى إذا ركبنا هذه الجادة من التحقيق، وهل سيكون عندنا حديث سليم معافى لا يعد الاحتجاج به مغامرة، الله تعالى أعلم.
ثم العجب من الأستاذ الصياصنة - وهو يدعي التحقيق العلمي - أنه ينقل كلامًا عن ابن معين في هشيم ثم يحذف جزءً من الكلام ليستقيم له الطعن في هشيم، على سبيل الإطلاق، مع أن الكلام في واقعة معينة، وذلك أن عباس الدوري قال في تاريخه (389/4) :"سألت يحيى عن أحاديث يرويها هشيم عن مغيرة عن إبراهيم: النظر في مرآة الحجام دناءة، وإذا بلي المصحف دفن، وأشباه هذه الأحاديث، فقال سمعها هشيم من إبراهيم بن عطية الواسطي عن مغيرة، قلت ليحيى إبراهيم هذا سمع من المغيرة هذه الأحاديث، قال كان إبراهيم هذا لايساوي شيئًا، وينبغي أن يكون قد سمع من مغيرة، فهشيم إنما سمع هذه الأحاديث منه عن مغيرة، وكان يقول: مغيرة، هكذا قال يحيى أو شبيه بهذا".
هذا الكلام من ابن معين لا علاقة له بحديثنا هنا لأمرين؛ (الأول) : أن هذا الكلام إنما هو في أحاديث معينة، وهي أحاديث مستنكرة على هشيم، وهي حديث النظر في مرآة الحجام، وحديث دفن المصحف، وأمثال هذه الأحاديث المستنكرة، وهذه الأحاديث معروفة عند النقاد، ولذلك قال عباس الدوري في كلامه:"وأشباه هذه الأحاديث"، (والثاني) : أن ابن معين بين طريقة هشيم في هذه الأحاديث، وأنه لا يذكر سماعه فيها من مغيرة، بل يبتدئ الكلام بقوله: (مغيرة) هكذا بدون أن يقول سمعت مغيرة أو أخبرنا مغيرة، وحديثنا مختلف، لأن هشيما قد صرح فيه بالسماع حيث قال: أخبرنا مغيرة.