(المطعن الثالث) : أنه من رواية إبراهيم النخعي، وهذا من أعجب ما يكون، أن يطعن في حديث من أجل إبراهيم النخعي، فهو - والله - إمام قليل نظراؤه، وإذا لم يكن مصدرًا موثوقًا به، فلا ثقة - والله - بأحد من رجالات هذه الأمة، أما الكلام عن كثرة إرساله فلا داعي للطعن به هنا، لأنه قد روى الحديث عن شريح في رواية جرير بن عبد الحميد، وقد تعاصر هو وشريح في الكوفة سنين طويلة، وعنعنته محتج بها بإطلاق كما في الصحيحين، ولا عبرة لوصف بعضهم إياه بالتدليس، ولذلك جعله الحافظ ابن حجر في طبقات المدلسين من المرتبة الثانية، وهم:"من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح، لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى"، على أنه لو كان مرسلًا لكان معتضدًا بما قبله، لاسيما ومراسيل إبراهيم قد صححها جماعة من الأئمة كما يقول العلائي في جامع التحصيل ص (141) .
عثمان بن عفان
أما أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان فقد ورد عنه في المسألة أثر هو في غاية من الصحة، وهو ما أخرجه الشافعي في الأم (106/6) قال: أخبرنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن أبيه:"أن رجلا أوطأ امرأة بمكة فقضى فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه بثمانية آلاف درهم، دية وثلث"، ثم قال الشافعي رحمه الله:"ذهب عثمان رضي الله عنه إلى التغليظ لقتلها في الحرم".
هذا الأثر صحيح رواته ثقات أثبات، وفيه أن عثمان غلّظَ دية المرأة الموطوءة في الحرم فجعلها دية وثلث دية، وهي ثمانية آلاف درهم، ومن المعلوم أن دية الرجل اثنا عشر ألف درهم، وإذا كانت الثمانية آلاف درهم تعتبر دية وثلث، فالدية المقصودة هي ستة آلاف درهم، وثلث الدية ألفان، ومن ثم فإن دية المرأة هنا نصف دية الرجل، وهي ستة آلاف درهم، وإنما أصبحت ثمانية آلاف من باب تغليظ الدية لكون القتل وقع في الحرم.