الصفحة 8 من 60

نظرة في الإجماع

وإذا لم نجد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية: نصا ثابتا يدل على هذا الحكم: أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، فهل يمكن الاعتماد على المصدر الثالث في ذلك، وهو الإجماع؟

ولا نريد أن نناقش هنا قضية الإجماع وما فيها من كلام كثير عند الأصوليين: في إمكانه، وفي وقوعه بالفعل، وفي العلم به إذا وقع، وفي حجيته بعد التأكد من وقوعه. وقد ذكر ذلك الغزالي في «المستصفى» والآمدي في «الإحكام» .

وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب: ما يدريه: لعل الناس اختلفوا، وهو لا يعلم. فإن كان ولابد، فليقل: لا أعلم الناس اختلفوا.

ومن تأمل ما كتبه الإمام الشوكاني عن «الإجماع» في «إرشاد الفحول» : وجد أنه يميل مع المخالفين في إثباته أكثر من ميله مع الموافقين، انظر ما قاله في إمكان العلم به إذا وقع. قال: فإذن العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم، وذلك متعذر قطعا، ومن ذاك الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق والغرب، وسائر البلاد الإسلامية؟ فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم، فضلا عن اختبار أحوالهم، ومعرفة من هو من أهل الإجماع منهم، ومن لم يكن من أهله، ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به، والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد، بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم، فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة، فضلا عن الإقليم الواحد، فضلا عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام. ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس، فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل، وبكيفية مذهبه، وبما يقوله في تلك المسألة بعينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت