وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الإسلام، فإنهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشى على نفسه من مضرتهم.
على ذلك:
هذا ما استند إليه العلامة ابن قدامة الحنبلي في كتابه (المغني) فقال: قال ابن عبد البر، وابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة المسلمة: نصف دية الرجل.
قال: وحكى غيرهما عن ابن عُليه 13 «ت193 هـ» والأصم «ت 201 هـ» أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله عليه السلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» .
قال ابن قدامة: وهذا قول شاذ، يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبي [. فإن في كتاب عمرو بن حزم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» . وهو أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا: مفسرا لما ذكروه، مخصصا له. انتهى.
ولا يمكن أن يثبت الإجماع، وقد خالف فيه هذان الإمامان، وإنما خالفا الجمهور في ذلك؛ لأنه لم يثبت لديهما دليل على التمييز بين الذكر والأنثى.
وقول ابن قدامة: هذا قول شاذ: مردود، إذ لا وجه لوصفه بالشذوذ، فكثيرا ما ينفرد الإمام الواحد عن جمهور الأمة بالقول المخالف ولا يوصف بالشذوذ، وهذا مروي كثيرا عن فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ومن المعروف: أن الإمام أحمد له (مفردات) في سائر أبواب الفقه قد انفرد بها عن الأئمة الآخرين، ونظمها بعض الحنابلة في كتاب معروف.
ودعوى مخالفة إجماع الصحابة غير مسلّمة، فلم يثبت أنهم أجمعوا، بل لم يثبت عن واحد منهم تنصيف الدية للمرأة بسند صحيح صريح. كما سنبين بعد.
وكذلك دعوى مخالفة سنة النبي (ص) في التفريق بين الرجل والمرأة: فقد بينا من قبل كلام أئمة الحديث المعتبرين: أنه لم تصح سنة عن رسول الله (ص) في التفريق بين الرجل والمرأة.