الصفحة 114 من 432

... إلا ان هذه الانقسامات داخل الدولة الاسلامية لم تؤثر على النهضة الفكرية، بل على العكس فمثلما حرص كل أمير أو سلطان على الانفراد بما تحته من بلاد كان أحرص على ان يكون بلاطه ممتلئًا بالعلماء والادباء والشعراء والفلاسفة واصحاب الكلام والفقهاء ، والاكثر من هذا كان الامراء يتفاخرون بعدد العلماء والادباء والشعراء في قصورهم ويغدقون عليهم الهبات والعطايا ، ويُشير أحمد امين إلى ان انقسام المملكة الإسلامية وإن ادى إلى ضعف كبير في السياسة، وجعل العدو الخارجي كالروم يطمع فيهم، ويهاجمهم على كل حين ويستولي على بلادهم شيئا فشيئًا، إلا إن ذلك لم يؤدِ إلى ضعف النهضة الثقافية ، فهو يرى ان الحالة العلمية لاتتبع الحالة السياسية قوةً وضعفًا. فقد تسوء الحالة السياسية إلى حد ما ، وتزدهر بجانبها الحياة العلمية وذلك يرجع إلى أن كثرة الاضطرابات وانتشار الظلم في المجتمع قد يحمل كثيرًا من عظماء الرجال، وذوي العقول الراجحة ان يتركوا العمل السياسي ويركنوا إلى العلم والمعرفة، لانهم يجدوا العمل السياسي يعرض ارواحهم للازهاق واموالهم للمصادرة، أما العمل العلمي يضفي عليهم جوًا خاصًا هادئًا مطمئنًا، يضاف إلى ذلك احترام الامراء والقادة للعلماء اذا لم يتعرضوا للسياسية (أمين ، ج1 ، 1969: 96) .

... وقد كانت مكانة العلم والأدب ، والنهضة العلمية والثقافية ، والتطور الحضاري بعد الانقسام واضحة مرموقة، فقد كانت هنالك مدن كثيرة تميزت بقوة الحركة العلمية والادبية، وكانت مناطق جذبٍ للعلماء والأدباء ، مثل بغداد والبصرة والكوفة في العراق، والري واصبهان في فارس، وبخارى في العهد الساماني، وغزنة في عهد السلطان محمود الغزنوني، وحلب في عهد الحمدانيين، ومصر وقرطبة ودمشق وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت