... فالمعتزلة هم مفكروا الأسلام وحملة لواء العلم والمعرفة واصحاب الجدل والحِجاج، هم من فهم العقائد فهمًا فلسفيًا، وقاموا بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورد كيد الزنادقة والملاحدة والكفار في نحورهم، وكان لابد من وجودهم ليقفوا بوجه الأفكار الهدامة التي تعرضت للعقيدة الاسلامية سواءٌ أكانت من الداخل أم من الخارج. فقد ضمت المدرسة الاعتزالية رجالًا امتازوا بالذكاء وسرعة البديهية وجراءة في القول وقدرة على فهم الاحداث السياسية والدينية ومن ثم بالتالي توظيف طاقاتهم الفكرية الخلاقة لايجاد علاقة موائمة وتكيف مابين الاسلام كدين سماوي وطروحات العقل البشري المتمثلة بالفلسفات الشرقية والغربية، فحاولوا من خلال الاصول التي توصلوا اليها بعد البحث والدرس والاستقراء والمناقشات والحوار مع الذات ومع الاخر - معالجة القضايا والاشكالات الداخلية والخارجية التي كان يعاني منها العالم الاسلامي (ينظر: ابو زهرة ، د.ت: 159) . وقد نشأت هذه المدرسة في العصر الاموي، وازدهرت ونضجت في العصر العباسي ، وأخذت دورًا مهمًا في الساحة الفكرية ومثلت بحق علم الكلام الاسلامي كما أشار إلى ذلك صاحب كتاب مفتاح السعادة بقوله (( أعلم أن مبدأ شيوع الكلام كان بأيدي المعتزلة والقدرية في حدود المائة من الهجرة ) ) (طاش كُبري زادة ، د.ت: 148) . وبعد ذلك اخذ الفكر المعتزلي بالنضوج والتطور كمدرسة منظمة لها فلسفتها الخاصة في جميع مناحي العقيدة (رمضان، 1986: 75) ، ولها أتباعها وطلابها الذين يأخذون الاعتزال عن شيوخهم.