... وكان ابتداء أمرهم في مدينة البصرة إثر اعتزال واصل بن عطاء وزميله عمرو بن عبيد حلقة الحسن البصري، فهما اللذان يعود اليهما وضع الاسس الفكرية أو الأصول لمدرسة المعتزلة ، وفي مجتمع البصرة نما ونضج فكر المعتزلة، والبصرة حينذاك كانت مرتعًا فكريًا خصبًا ظهر على أرضها جهابذة العلم، وأساتذة الفكر، ودورها لاينكر في رفد الفكر الانساني والحضارة العالمية بمعطيات الثقافة. ثم انتقلت أفكار هذه المدرسة إلى بغداد علي يد بُشر بن المعتمر، استجابة للتحديات الفكرية القائمة انذاك والتي تمثلت بحركات الزندقة والشعوبية التي حاولت بعث الحياة في دياناتها القديمة وهدم الاسلام تحت غطاء الاسلام (الراوي، 1982: 83) .
... نضج الفكر الاعتزالي من خلال الأحداث والصراعات والتحديات ولم تظهر المعتزلة بصورة فجائية، بل كانت مدرسة فكرية ، انضوى تحت خيمتها كثير من المفكرين واصحاب الولاءات والانتماءات العرقية والطائفية وأصحاب الغلو فقد كان (( كثير من ذوي الالحاد يجدون في المعتزلة عشًا يفرخون فيه عقائدهم وأراءُهم ويلقون فيه دسهم على الاسلام والمسلمين حتى اذا ظهرت اغراضهم أقصاهم المعتزلة عنهم فابن الراوندي كان يعد منهم وابو عيسى الوراق وأحمد بن حائط وفضل الحدثي كانوا ينتمون اليهم وهؤلاء أظهروا أراء هدامة لبعض المقررات الاسلامية ، وكان منهم من اتهم بأنه استؤجر لليهود لافساد عقيدة المسلمين ) ) (ابو زهرة ، د.ت: 135) ، والذي لابد من قوله أن المعتزلة ورثت كلًا من القدرية والجهمية في بعض الاراء (( وان تعاليمها بقيت محفوظة في فرق المعتزلة التي أخذت تلك التعاليم ودرستها درسًا وافيًا وشرحتها وتوسعت فيها، ألا انها خالفت الجهمية في مسألة القدر ) ) (جار الله ، د.ت: 36) .