... أما عندما جاءت الدولة العباسية الى الحكم فقد وجدت في مدرسة المعتزلة ورجالاتها خير من يقف بوجه الزنادقة والملاحدة، وهذا الامر سمح للمعتزلة برواج افكارهم (ابو زهرة ، د.ت: 219) ثم تطور فكر الاعتزال خلال حكم المأمون العباسي ولاسيما الحرية الفكرية التي كفلها هذا الحاكم العباسي في أول أمرهِ (ينظر: بك ، 1988: 232) مما أدى بالمعتزلة الى مضاعفة نشاطها الفكري في حلقات الدرس في المساجد ومن ثم الى مشاركة السلطة السياسية والتأثير فيها (الراوي، 1980: 85) . ويرى دي بور: ان الفكر المعتزلي بلغ أوجه وعاش عصره الذهبي عندما نال هذا الفكر تأييد بني العباس من أيام المأمون الى عهد المتوكل، والأكثر من هذا انهم جعلوه عقيدة رسمية للدولة
(دي بور،1966: 51) .
وعندما اصبح المأمون حاكمًا للدولة العباسية عام (198هـ) بلغت حركة النقل لكتب العلم والفلسفة أوجها يضاف إلى ذلك أن المأمون نفسه كان عالمًا ومفكرًا. وبدأ يعتنق آراء المعتزلة، ولاسيما مسألة خلق القرآن منذ عام (212هـ) ، وكان القاضي أحمد بن أبي دُؤاد يزين ذلك للمأمون ويحثه على ان يجعل الاعتزال مذهب الدولة (فروخ ، 1972: 290) . أما في سنة (218هـ) بدأت المأساة الحقيقية لمدرسة المعتزلة وذلك بأن قام المأمون بنفسه في دمشق بامتحان رجال الدولة والعلماء في القول بالعدل والتوحيد وبخلق القرآن ، ، وتابع المأمون طريقه الى الرَّقة ، ومن هناك أرسل كتابًا الى اسحق بن ابراهيم صاحب الشرطة في بغداد يأمره فيه أن يمتحن القضاة في هذا الأمر فمن أقر أن القرآن مخلوق مُحدث اقره على عمله ، ومن أنكر ذلك أقصاه عن منصبه، وذهب المأمون الى أبعد من ذلك إذ أوجب بطلان شهادة من لم يقر بخلق القرآن من الفقهاء، والمشايخ وأهل الحديث وبتعذيب من لم يُقر بهذا الأمر ، ومن بين الذين عوقبوا الامام احمد بن حنبل فقد عُذب وسُجن ولم يقر بذلك (فروخ، 1972: 290) . وهذا الأمر عُرف (بمحنة خلق القرآن) .