... وكما هو معروف ان هذه المحنة امتدت من سنة (218هـ) وحتى سنة (234هـ) ، والذي تسجله المصادر ان هذه الفترة اتسمت بمزج الجدل والحوار والنقاش بالقوة لفرض الرأي بعد أن كان الحوار والنقاش وتقديم الدليل والحجة القوية المقنعة هي السبيل الوحيد عند المعتزلة الأوائل، أما اثناء هذه الفترة (( صاروا ممتحنين لعقائد الناس يحلون السيف محل الدليل ) ) (دي بور ، 1966: 51) وهذا مما لاينسجم مع ماتذكره لنا المصادر التاريخية من سيرة فكرية حسنة للمعتزلة عبر تاريخهم الفكري حتى مع من كانوا يخالفونهم الديانة.
... وعندما وصل المتوكل الى الحكم أصدر أوامره بترك النظر والمباحثة والنقاش في مسائل العدل والتوحيد وخلق القرآن (( وأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر الشيوخ المحدثين باظهار السنة ) ) (ابن الاثير ، ج7، د.ت: 47) .
... ونتيجة لذلك قامت الثورة ضد المعتزلة بعد أن كتب المتوكل الى ولاته وعماله في المدن الاسلامية يأمرهم (( بترك عقيدة المعتزلة والاتجاه إلى السنة والجماعة ) ) (السبكي، ج1، د.ت: 215) . وبعد ذلك تقهقرت هيبة المعتزلة في نفوس الناس وبدأ العد التنازلي لمجدهم العالي الذي وضع لبناته الاولى شيخهم ومعلمهم الأول واصل بن عطاء الغزال في مسجد البصرة بعد انفصاله عن حلقة استاذه الحسن البصري. (( فقد كان هذا التحرك السريع من المتوكل ، قد وضع المعتزلة امام قدرهم، فقد أضاع عليهم مابنوه خلال مائة سنة، لتأخذهم نوبة من النوم طويلة لايفيقون منها، الا في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري ) ) (الراوي ، 1980: 238) .