... ونتيجة لكل ماسبق بقي التيار العقلي متمثلًا بالمعتزلة والفلاسفة هو المسيطر على الساحة الفكرية في المناقشات والمحاججات . إلى ان ظهر الشيخ أبو حامد الغزالي الذي اعتنق المذهب الأشعري، فأفنى عمره في ملاحقة أصحاب الكلام والجدل وأهل الحكمة والمنطق (ينظر: حسن ، 1964: 219) ، وتعد كتاباته الحد الفاصل في انحسار التيار العقلي واصحابهِ عن الساحة الفكرية، فقد هاجمهم بأسلحتهم وأساليبهم سواء أكانوا متكلمين أم فلاسفة وقد حط من شأن الفلسفة وحقّرها، وهاجم العقل وضيق مجاله، وجعله منقادًا لصحيح النقل.
... ويرى الباحث ان أفول نجم المعتزلة فرسان العقل واصحابه وغيابهم عن الساحة الفكرية ضيع فرصة كبيرة على المجتمع الاسلامي في فهمه للدين والكون والحياة فهمًا عقليًا، لان المعتزلة حولوا مسألة فهم هذه الامور من القبول والاتباع إلى التحليل والنقد والبرهان .
مدارس المعتزلة:
... انشطرت الحركة الاعتزالية جغرافيًا إلى مدرستي البصرة وبغداد، وقد تبع هذا الانشطار الجغرافي انشطار فكري في بعض المسائل المهمة ولاسيما مسألة الامامة أو التمذهب (ان صح القول) ، لذلك أصبح يُطلق على معتزلة مدرسة البصرة (معتزلة السنة) ومعتزلة مدرسة بغداد (معتزلة الشيعة) . هذا مع ثبات المعيار العام عند المعتزلة ألا وهو وجوب الاعتقاد والعمل بالاصول الخمسة التي تعتبر شرط الانتماء لهم (الخياط ، 1925: 126) .
1 -... مدرسة البصرة:
... قامت مدرسة البصرة بوضع الاسس الفكرية للاعتزال التي تُعد القواسم المشتركة التي ميزت الاعتزال كمنهج فكري عن غيره من المناهج الفكرية الاسلامية، اذ نجح البصريون في صياغة بنائهم الفكري بالاصول الخمسة التي جُعلت معيارًا ثابتًا للمعتزلة بحيث لايسمى الشخص (( معتزليًا بدونها ) ) (الخياط ، 1925: 126) .